تاريخ عمال البحرين

شيء من تاريخ الحركة ا
من الملاحظ أن تاريخ حركتنا العمالية والنقابية في الفترة الممتدة من 1974 إلى 1975 مغيبة تماما من مجمل تاريخ الحركة العمالية. ولا يتم التطرق إليها لا من بعيد ولا من قريب. فعلى سبيل المثال : كتاب :”الحريات والحقوق النقابية في البحرين” الصادر عن “اتحاد عمال البحرين” (الطبعة الأولى 1991 ) ، يختزل هذه الفترة في سطر واحد فقط “وشهد عام 1974 نهوضا عماليا واسعا ، لم تتجاوب معه السلطة إلا بالقمع وحملات الاعتقال الواسعة”. في مجلة “عمال البحرين” الصادرة عن اللجنة العامة لعمال البحرين لشهر مايو 2001 وفي ملف العدد “الحريات النقابية في ظل العهد الجديد” تحت موضوع “تاريخ الحركة النقابية في البحرين” وبعد أن يستعرض بشيء من التفصيل لتحركات العمال لتشكيل نقابات لهم منذ 1938 إلى 1972 يتطرق إلى الفترة من 1973 إلى 1974 بشكل مقتضب حيث جاء في النص ” وفي أعوام 1973 و1974 أنشئت بالفعل بعض التشكيلات العمالية في بعض المصانع والشركات والوزارات الحكومية .. “. والحق أن ما تم في هذه الأعوام هو تشكيل نقابات عمالية حقيقية اتسمت باتساع قاعدتها العمالية وليست “تشكيلات عمالية” والفرق واضح بين التعبيرين.
أن تغييب تاريخ حركتنا العمالية من مجمل تاريخ الحركة العمالية في البحرين سواء أكان متعمدا أو سهوا لا يخدم الحركة العمالية بل يسئ إليها ويضر بها وهو في النهاية يخدم الجهات ذات المصلحة في إضعاف الحركة العمالية والنقابية. ولا أطالب الأطراف الأخرى أن تبرزحركتنا على أنها كانت العمود الفقري للحركة العمالية أو أن تعطيها حجما أكثر من حجمها الحقيقي. فهذه المهمة هي من صلب مهماتنا كتيار يشهد له بمواقفه المبدئية في القضايا العمالية طوال تاريخه النضالي الطويل. وهي مهمة ليست قابلة للتحقيق وحسب ، بل أنها أصبحت وفي ظل الانفتاح السياسي والديمقراطي التي تشهدها البلاد من المهمات التي يجب التركيز عليها وحشد كل الطاقات من أجل تدوين هذا التاريخ المغيب خاصة وأن لدينا الكثير من الكوادر العمالية التي لعبت دورا كبيرا وأساسيا في تأسيس وتطوير الحركة العمالية .. هذه الكوادر التي قدمت الكثير من التضحيات وتعرض البعض منهم للاعتقال والنفي في هذا السبيل ، ناهيك عن معاصرتهم لمختلف مراحل الحركة العمالية من الخمسينات والستينات والسبعينات. هناك دراسة وحيدة عن النقابات الأربع التي تشكلت في الأعوام 1974 صادرة عن “لجنة التنسيق بين النقابات واللجان العمالية في البحرين”. وهي دراسة قيمة ومرجع للمنبر ولكل مهتم بالشأن العمالي. إلا أن ذلك لا يعني عدم حاجتنا لتدوين تجارب الكوادر العمالية التي عاصرت هذه الفترة كل حسب موقعه ونشاطه ، بل أن ذلك من شأنه أن يغني الدراسة المعنية. واحدة من الأهداف التي وضعتها اللجنة العمالية في المنبر : ” البدء في تدوين تاريخ الحركة العمالية والنقابية في البلاد , وذلك من خلال إقامة الاجتماعات واللقاءات , والحلقات النقاشية مع قدامى الحركة العمالية وتجميع كل ما يتعلق بالعمل النقابي من ذكريات ووثائق.” وهذا اللقاء يأتي في إطار البدء في تحقيق هذا البرنامج على أمل أن تتكرر هذه اللقاءات مع كوادرنا العمالية الأخرى سواء في لقاءات مفتوحة كهذه أو حلقات نقاشية تضم مجموعة من الكوادر التي عاصرت مرحلة معينة أو أخرى نشطت في تأسيس نقابات عمالية في بعض المنشآت. سوف أترك هذه المهمة للجنة العمالية في تقرير ما هو متاح ومناسب.
سوف أتطرق في هذه الورقة إلى مرحلة تمتد من الفترة ما بعد هجمة أغسطس 1975 إلى ما قبل هجمة أغسطس 1986 وهي مرحلة حافلة بالكثير من النضالات العمالية التي احتوت على الكثير من التجارب والانتصارات والإخفاقات. وقبل بدء الحديث عن هذه المرحلة ، أتطرق وبشكل سريع إلى الفترة من 1973 إلى 1975 كون هذه الفترة متصلة بشكل وثيق بالمرحلة المعنية لهذا اللقاء. وكل ما سوف اسرده مقتبس من الدراسة “شيء من تاريخ الحركة العمالية في البحرين” الصادرة عن لجنة التنسيق بين النقابات واللجان العمالية في البحرين. يعتبر تشكيل النقابات الأربع التي قامت في ألبا ، وزارة الصحة ، وزارة الكهرباء والبناء والمهن الإنشائية في عام 1974 ، مرحلة جديدة ومكملة لنضال الطبقة العاملة البحرينية ، اكتسبت طابعا أكثر عمقا وعمقا بعد نهاية الدور الذي لعبته “اللجنة التأسيسية للاتحاد العام للعمال والمستخدمين وأصحاب المهن الحرة في البحرين في عام 1972. أن ما يحسب لهذه المرحلة في الحركة العمالية والنقابية في البحرين ، أن النقابات العمالية التي تشكلت أبان المجلس الوطني عام 1974 استفادت من خبرة الطبقة العاملة وتقاليدها عبر تاريخها الطويل ، الكثير من الدروس والخبرات التي طورت أدوات النضال العمالي وتجنب الكثير من الأخطاء. وكان التفاف العمال حول هذه النقابات وانخراطهم وبشكل متزايد في التحركات المطلبية التي كانت تنطلق من الواقع الملموس ومن دراسة إمكانياتها المتاحة كي لا تقفز على الظروف بشكل متهور. فقد استخدمت الحركة العمالية في هذه الفترة كافة الأساليب المتلائمة مع الظروف والمعطيات المستجدة ، استخداما فعالا مرنا ومسئولا ساهم في توطيد ثقة العمال بقيادتها وكان سببا رئيسيا في كل ما حققته من إنجازات. حيث استخدمت الأساليب التالية في نضالاتها: 1. اتبعت النقابات الخطوات الشرعية التي نص عليها قانون العمل لعام 1957 في الإضرابات العمالية التي خاضتها ، كما استخدمت الصحف المحلية للإعلان عن مواعيد إضراباتهم ، أسبابها وعن مطالبهم المطروحة. 2. أنها كانت تؤكد وبشكل متواصل على ضرورة التحرك السلمي وعدم التصعيد والمواجهة مع إدارات الشركات وعدم التعرض للممتلكات العامة وإتلافها. 3. كما كانت تؤكد في كل بياناتها وإعلاناتها في وسائل الإعلام ، على تمثيلها للعمال الأجانب والوقوف إلى جانبهم للدفاع عن حقوقهم. والحق أن هذه المرحلة من تاريخ الحركة العمالية والنقابية بينت بأن زمان التحركات العفوية قد ولى وأن الحركة العمالية باتت عميقة الجذور تنطلق من خبرات الماضي بكل دروسه مستفيدة من معطيات الحاضر وظروفه المستجدة ، وتناضل في سبيل أوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية تستجيب لتطلعات الطبقة العاملة وسائر الكادحين في بلادنا. هذه باختصار أهم ملامح الحركة النقابية في هذه الفترة التي انتهت بهجمة أغسطس 1975 التي شنتها السلطة على المكتسبات التي تحققت أبان المجلس الوطني. وكما تأثرت الحركة السياسية في البلاد بهذه الهجمة ، تأثرت الحركة العمالية كذلك. فقد ورثت الحركة العمالية تركة ثقيلة ومهمات كبيرة. حيث كانت حصيلة الضربة اعتقال معظم الكوادر النقابية ونفي البعض الآخر. وكان على الحركة العمالية وفي ظل الهجمة التي وجّهت لها أن تتراجع بشكل منظم وتبدأ العمل السري وذلك باستقطاب عناصرها في لجان عمالية في مختلف الشركات والمنشآت الصناعية والمؤسسات الخاصة والعامة تحت راية “لجنة التنسيق بين النقابات واللجان العمالية في البحرين”. وبدأت الحركة العمالية تلملم أطرافها وتشكل هيكلها التنظيمي لمواصلة النضال. وقد ساهم تنظيم الشبيبة مساهمة كبيرة في هذا العمل حيث ضخ عناصر شبابية عمالية إلى اللجان العمالية ومن جراء ذلك بدأت تتسع قاعدة هذه اللجان ، الشيء الذي دفع “لجنة التنسيق” إلى التركيز على المواقع التي تشكلت فيها النقابات العمالية الأربع وهي “ألبا” ، “وزارة الكهرباء” و “وزارة الصحة” ، كما بدأت بالتوجه لتشكيل لجان عمالية في كل من “أسري” ، “بتلكو” ، والمدرسين والبنوك ومصنع الحديد والصلب. وتدريجيا استطاع أعضاء هذه اللجان من الوصول إلى قطاعات واسعة من العمال وفي مختلف المنشآت وبدأت تتسع قاعدة اللجان العمالية ويزداد تأثيرها على العمال. وفي خضم هذا النضال على مستوى اللجان العمالية وصدور “صوت العامل” التي لعبت دورا كبيرا في استقطاب العمال حول أهداف “لجنة التنسيق” وتحت الضغوطات من المنظمات الدولية المعنية بالشأن العمالي ، أصدرت وزارة العمل والشئون الاجتماعية مرسوما بتشكيل اللجان الاستشارية الدائمة ثم المؤقتة والذي عبر بشكل جلي عن فشل اللجان الاستشارية التي تكونت بمرسوم وزاري عام 1972. وأمام هذه الصيغة التي قدمتها الحكومة على أساس بديل للنقابات العمالية ، بدأت اللجان العمالية بتوعية العمال لخطورة هذه الخطوة التي تهدف في الأساس إلى تمييع مطالب العمال في التشكيل النقابي وإحلال هذه اللجان محل النقابات العمالية الحقيقية. و قد تصدت “صوت العامل” لهذه اللجان الاستشارية وبينت الغرض من إنشائها مما أدى إلى رفض العمال لها وفشلها الذريع فيما بعد. وخلال الأعوام من 1975 إلى 1981 أصبحت اللجان العمالية المنضوية تحت راية “لجنة التنسيق” واسعة جدا وتضم عناصر في مختلف المنشآت والمواقع الإنتاجية الرئيسية في البلاد. إلا أن ذلك لا يعكس حقيقة الوضع وواقع اللجان العمالية. فهذه اللجان في تطورها وصلت إلى مفترق طرق ، حيث أن أعضاءها هم عمال من حيث طبيعة عملهم ولكنهم كانوا يشكلون كوادر شبيبية يتمتعون بمستوى فكري وسياسي عالي بسبب التربية والانضباط التنظيمي التي كانوا يمرون بها في الشبيبة. هذا التركيب على قدر مساهمته في أن يكّون للحركة العمالية صلات واسعة مع العمال وفي مختلف المواقع العمالية من خلال التحريض والتشهير بين العمال ، إلا أنه كان عائقا أمام ضم عناصر عمالية جديدة وبالتالي أمام تحول هذه اللجان إلى لجان عمالية واسعة وذلك للشروط الصارمة الموضوعة بالنسبة لانضمام أعضاء جدد أو بسبب الحياة الداخلية لهذه اللجان المشابه لحد كبير للحياة الحزبية. بالإضافة إلى ذلك فإن ضم عناصر عمالية جديدة لا يمكن أن تتم إلا عن طريق التحركات العمالية والتي من خلالها يمكن فرز أولئك العمال الذين تعتمر قلوبهم الرغبة في خوض النضالات المطلبية بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية والعقائدية ومذاهبهم الدينية أو الجنس. وفي تلك الفترة كانت التوجيهات الصادرة من قيادة الحركة العمالية بعدم خوض النضالات العمالية بحجة الوضع الأمني. وكان لابد وأن يتم تصحيح الأوضاع بالنسبة للجان العمالية بحيث تحصل على الزخم المطلوب لدفعها لمواقع متقدمة. وفعلا بدأت اللجان العمالية مناقشة أوضاعها بشكل ديمقراطي وواسع وترفع التقارير وتدفع في اتجاه أن تحصل على حرية التحرك لخوض النضالات المطلبية اليومية لتطوير الحركة ولتواكب تطورات الوضع العمالي في البلاد. ومع تحرر الحركة العمالية من عقدة الوضع الأمني وبدء اللجان العمالية خوض النضالات المطلبية ، بدأت الحركة العمالية بالانتعاش متخطية بعض العقبات التي كانت تعترض طريقها. هذا في الوقت الذي بينت الأحداث وظروف الحركة العمالية من خلال التقارير المرفوعة بأن اللجان العمالية اصبح لها نفوذا واسعا جدا بين العمال وأن الرغبة الجامحة للتحرك لدي العمال وعدم قدرة الحركة على اتخاذ القرار لقيادة هذه التحركات اصبح يحرج الحركة العمالية ويكشف تخلفها عن قيادة الطبقة العاملة البحرينية !! وقد أعتبر ذلك ـ أي إعطاء الضوء الأخضر للحركة بخوض نضالاتها المطلبية ـ مكسبا كبيرا كان له الأثر البالغ على تطور الحركة العمالية لاحقا. ومن جراء ذلك فقد بدأت الحركة العمالية تخوض النضالات المطلبية في مختلف المنشآت والمواقع الإنتاجية انطلاقا من ظروف عمل اللجان العمالية وظروف العمال. ومن التحركات على سبيل المثال ، ما حدث في “ألبا” في أوائل عام 1982. فنتيجة للتذمر الذي ساد كافة العمال بسبب صدور قرار من إدارة الشركة بوقف الزيادة العامة للعمال ، بدأت اللجان العمالية في “ألبا” بالإعداد لتحرك جماعي من اجل المطالبة برفع الأجور. وما أن استكملت الترتيبات للتحرك حتى رفعت رسالة موحدة من قبل جميع العمال يطالبون فيها برفع الأجور بنسبة 30% .. وقد عمل رفاقنا بشكل منظم وبجهد منقطع النظير حيث استطاعوا أن يجمعوا تواقيع العمال والتي فاقت نسبة 80% ، الشيء الذي أجبر الشركة على أن تبدي جدية فائقة بالرسالة وأن تجتمع بكل الأقسام ودوائر الشركة لشرح صعوبة تلبية هذا المطلب. ولكن أمام إصرار وضغط العمال الذي جاء كنتيجة لنشاط رفاقنا ، فقد تنازلت الشركة وأقدمت مرغمة على تلبية مطالب العمال. وقد حصل العمال على زيادة في الأجور لم تكن بالنسبة التي حددها العمال وإنما أقل وكانت في حدود 10% بالإضافة إلى زيادة بعض العلاوات .. هذا التحرك كشف بشكل واضح مدى قدرة الحركة العمالية على خوض النضال العمالي وإرغام الشركات على الرضوخ لمطالب العمال ، وبين من جانب آخر اتساع نفوذ الحركة العمالية بين العمال كما بينت أن نشاط الرفاق خلال السنوات الماضية بدأت تثمر نتائج طيبة. وقد كان التحرك في “ألبا” نقطة الانطلاق لرفاقنا في المؤسسات الأخرى التي بدأت تتسع التحركات فيها. ومع صدور المرسوم الوزاري بتشكيل اللجان المشتركة واللجنة العامة لعمال البحرين في 18/4/1981 ومحاولة إضفاء الشرعية عليها بالسماح بانتخابات أعضاء اللجنة المشتركة الجانب العمالي ، بدأت مرحلة جديدة في نضال الحركة العمالية ، خاصة بعد أن بدأ التردد لدي العمال في قبول مثل هذه اللجان بسبب أن أعضائها يأتون عن طريق الانتخابات. فكانت مهمة الحركة العمالية هي كشف هذه الألاعيب وكشف حقيقة هذه اللجان حتى مع السماح بانتخاب أعضائها. فهي لا تعدو أن تكون ساعي البريد في نقل المطالب العمالية إلى إدارة الشركات والقرار الأول والأخير لدي إدارة الشركة في الاستجابة أو عدم الاستجابة لها. وبعد مناقشات مستفيضة في اللجان العمالية حول تجربة اللجان المشتركة التي تعتبر أكثر تقدما من اللجان التشاورية السابقة ، توصلت الحركة العمالية “لجنة التنسيق” إلى نتيجة وهي أنه بإمكان الحركة العمالية أن تلعب دورا بدخولها في هذه اللجان منطلقة في ذلك من فكرة الاستفادة من كل تنظيم عمالي مشروع تطرحه السلطة ومحاولة العمل من الداخل لكشف دور هذه اللجان من ناحية عدم قدرتها على تحقيق أهداف وأماني الطبقة العاملة وبالتالي عدم قدرتها على أن تكون بديلة عن النقابات العمالية. بالإضافة إلى الاستفادة قدر الإمكان من هذه اللجان للوصول لأوسع القطاعات العمالية ودراسة أوضاعهم ورغباتهم ومطالبهم لتبنيها من قبل حركتنا. إن الحركة العمالية باتخاذها هذا الموقف ـ الدخول في اللجان المشتركة ـ لم تنزل بالثقل الذي نزل فيه عناصر “اللجنة التأسيسية” وذلك لقناعة الحركة العمالية بضرورة دراسة التجربة واوجه الاستفادة منها لوضع الخطوط العامة لتحركاتها المستقبلية بالنسبة لهذه اللجان. بعد مرور سنة واحدة فقط على مشاركة الحركة العمالية “لجنة التنسيق” في اللجان المشتركة ، استطاعت الحركة العمالية أن تتلمس اوجه القصور في عملها والأخطاء والسلبيات الناتجة عنها. فبالرغم من أن الحركة العمالية استطاعت ومن خلال مشاركتها بعناصر في هذه اللجان من الوصول إلى مختلف قطاعات العمال وأن تستشف رغباتهم ومطالبهم وذلك بسبب الحرية في تحرك عناصرها ودفع العمال لطرح مطالبهم بالوسائل الشرعية أي عن طريق هذه اللجان. أقول بالرغم من كل ما حققته الحركة العمالية من مكاسب من الدخول في هذه اللجان الرسمية ، فقد بدت واضحا الجوانب السلبية لخوضها هذا النوع من النضالات والتي تركزت أساسا في الاختلال بين عمل اللجان العمالية السرية والعمل العلني في اللجان المشتركة. فنتيجة للمهمات التي طرحتها ظروف العمل في اللجان المشتركة وانشغال معظم رفاقنا في دفع العمال لرفع مختلف مطالبهم بوسائل شرعية ، ولكونها تجربة أولى للحركة العمالية في العمل العلني فقد ضعف العمل التحريضي والتشهيري للحركة العمالية .. وطغى العمل العلني على العمل السري .. وبدى واضحا أن استمرار هذا الوضع سوف يعزل الحركة العمالية عن العمال خاصة وأنهم بدؤوا يرفضون اللجان المشتركة ويقتنعون تدريجيا بعدم جدواها.
إن بروز هذه السلبيات والنواقص تعتبر من الأمور البديهية خاصة إذا كان الدخول في هذه اللجان يعتبر التجربة الأولى للحركة العمالية .. والنتيجة التي كان يجب أن تستخلص منها هي ليس الامتناع عن الدخول في هذه اللجان وإنما كيف نطور عملنا فيها ونضع الحدود بين العمل العلني والسري وإعطاء الأولوية للعمل الأساسي للحركة العمالية وهو تطوير اللجان السرية وزيادة نفوذها بين العمال .. وسنة واحدة في عمر الحركة تعتبر فترة جدا قصيرة واكتشاف الحركة لهذه السلبيات كان يدل على وعي القيادة العمالية وقدرتها على دراسة كل الظواهر والسلبيات الناتجة عنها وبالتالي تلمس الطريق لتجاوزها. وفعلا بدأ العمل وبشكل عاجل على تصحيح بعض المسارات الخاطئة التي أصبحت مع مرور الوقت عوائق أمام الحركة العمالية. إن الأحداث التي مرت بها الحركة العمالية في هذه المرحلة من تاريخها بينت حقيقة وهي أن تجاوز الإخفاقات وحل المشاكل والسلبيات التي تعترض طريقها لا يمكن أن تتم إلا بمشاركة جميع الرفاق بمختلف مستوياتهم في وضع الحلول لها ومساهمتهم عمليا لحلها. فالحركة العمالية استطاعت خلال سنوات النضال أن تتجنب الكثير من الأخطاء وأن تذلل الكثير من العقبات التي كانت تعترض مسيرة نضالها وذلك عن طريق العمل الجماعي للرفاق (فعلا وليس قولا) وتعميم مبدأ المركزية الديمقراطية في الحياة الداخلية للتنظيم العمالي. وفي الأعوام الممتدة من 1982 إلى ما قبل هجمة أغسطس من عام 1986 ، بدأت الحركة العمالية “لجنة التنسيق” بدفع عناصرها لأخذ مكانهم في قيادة اللجان المشتركة وذلك لغرض ممارسة الضغط ومن داخل هذه اللجان على الجهات الرسمية لسن تشريعات عمالية تقر حق العمال في تشكيل نقابات لهم. وبدأت “لجنة التنسيق” بدفع عناصرها للوصول إلى أعضاء اللجان المشتركة في مختلف ا لمنشآت والتأثير عليهم لبلورة موقف موحد وخلق تيار ضلغط من أجل تحقيق هذا الهدف .. هدف حل اللجان المشتركة والبدء بتشكيل النقابات العمالية الحقيقية والنابعة من إرادة العمال أنفسهم. وكان لهذه الخطوة أن تكلل بالنجاح لولا هجمة أغسطس عام 1986 التي طالت معظم الكوادر العمالية وجردت العمال من أدواتهم النضالية.
واليوم ونحن نعيش في ظل الانفتاح الذي تشهدها البلاد ، نقطف ثمرة نضال وتضحيات عمالنا و الحركة العمالية طوال السنوات الماضية الذي تكلل بإصدار قانون النقابات العمالية في 24 / 9 / 2002 مفسحا المجال لعمالنا في تشكيل نقاباتهم الحرة والمستقلة من أجل الدفاع عن حقوقهم وتحسين ظروف عملهم ومعيشتهم والنهوض بمجتمعنا في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وخلق الدعامة الأساسية لقيام مجتمع ديمقراطي يحقق الضمان والاستقرار الاجتماعي للإنسان البحريني وتحقيق رفاهيته وسعادته.
إن التطرق لهذه الفترة من تاريخ الحركة العمالية في البحرين وإسهامات الرفاق الآخرين في المراحل المختلفة للحركة العمالية مستقبلا هي الخطوة الأولى على طريق تدوين هذا التاريخ العريق والطويل الذي ارتبط بالنضال الوطني العام والذي حتما وإذا ما تم دراسته بتعمق سوف يؤسس لمستقبل الحركة العمالية النقابية الممثل الشرعي للطبقة العاملة البحرينية.
العمل المشترك مع “اللجنة التأسيسية”
مع تطور اللجان العمالية المنضوية تحت راية “لجنة التنسيق” واتساع قاعدتها العمالية في بداية الثمانينات ، وخوضها التحركات العمالية للمطالبة بتحسين ظروف العمال المعيشية وزيادة الأجور (كما حدث في “ألبا” وفي المؤسسات الأخرى لاحقا) بدأت تبرز بوادر عمل مشترك بين لجاننا وعناصر من “اللجنة التأسيسية”. ومع مرور الوقت بدأت تتكون علاقات جيدة بين الطرفين وتترسخ أكثر في النضال العمالي اليومي. ونتيجة لهذه التحركات المشتركة تطورت العلاقة إلى مرحلة أصبحت فيها اللقاءات بين الطرفين وتبادل وجهات النظر فيما يتعلق بالشأن العمالي تتعمق وتدريجيا بدأت تبرز الرغبة لكلا الطرفين في تكثيف التحركات المشتركة. وفعلا بدأ النضال العمالي يتسع ويتعمق خاصة بعد صدور القرار الوزاري بتشكيل اللجان المشتركة واللجنة العامة لعمال البحرين كبديل عن النقابات العمالية ، حيث بدأ الطرفين وبالاتفاق المسبق على خوص النضال ضد هذه اللجان مما حقق بعض المكاسب ودفع الحركة العمالية (كلا الطرفين) لمواقع متقدمة. وقد كانت حركتنا العمالية عاكفة على دراسة تجربة العمل المشترك لتطويرها وخلق الأرضية الصلبة لتحقيق الوحدة الوطنية فيما بعد. وكان من الممكن أن تستفيد الحركة العمالية من التجربة لو أن العلاقات تواصلت والحوارات تطورت واتسعت ، لكن القرارات الصادرة من الخارج بوقف هذه الاتصالات قد أنهى هذه التجربة الوليدة والغنية.
 
أتطرق إلى ظروف الحركة العمالية في بعض المواقع (“اسري” ، “بابكو” و “تحلية المياه”). فكل واحدة من هذه المواقع الإنتاجية تمتاز بظروف خاصة طبعت الحركة العمالية ببعض السمات والخصائص التي في تصوري يجب التطرق اليها وذلك لإعطاء صورة شاملة عن الحركة العمالية.
اســــــري
بالنسبة لأسري فإن الحركة العمالية كانت تمتاز بعمق جذورها وتأثيرها في اوساط العمال وذلك لعدة اسباب وهي: 1. وجود قيادة عمالية متمرسة وذات خبرات نضالية عريقة استطاعت من خلال تلك الخبرات والوعي الذي تتصف به أن تدرك حقيقة الظروف التي يعيشها العمال في هذه الشركة وتتلمس معاناتهم ورغباتهم وبالتالي قيادتهم في سبيل إنتزاع حقوقهم المشروعة. 2. وجود إدارة متعنتة وعدائية في تعاملها مع العمال لدرجة أنها تقابل أي مطلب عمالي مهما كان حجمه بالرفض والتشدد أزائه. 3. بسبب سياسة الإدارة تلك فقد كان التذمر يعم العمال على إختلاف مستوياتهم والصراع كان على أشده بين العمال والإدارة لدرجة أن كل قرار تتخذه الإدارة أو أي سياسة تنتهجها كان يواجه بالرفض من قبل العمال. في ظروف كهذه كان من الطبيعي أن يكون موقف العمال تجاه “اللجان المشتركة” موقفا متصلبا ورافضا له مما خلق صعابا امام قيادة الحركة في “أسري” تركزت في عدم القدروة على الإلتزام بالخط العام للحركة العمالية في المشاركة في هذه اللجان. وقد إستغرق الأمر سنة واحدة لتجاوز تلك العقبة. فقيادة “أسري” كانت طوال تلك المدة تدفع في إتجاه أن يكون لها قرارها الخاص بمقاطعة تلك اللجان (التي ولدت ميتة) بسبب موقف العمال منها. وقد تداركت الحركة العمالية صحة مطلب قيادة “اسري” الذي عبر بشكل صادق عن الظروف الخاصة لهذه الشركة ورغبة العمال ، مما دفعها لصحيح التوجه فيما يتعلق بالموقف من “اللجان المشتركة” وتوضيح فكرة الدخول فيها ةهي أن التوجه العام للحركة العمالية هو الدخول في مثل هذه اللجان ومحاولة الإستفادة منها قدر المستطاع ويمكن وفي حالات خاصة وبعد دراسة مستفيضة أن تمتنع لجان الحركة العمالية عن الدخول في “اللجان المشتركة” ومقاطعتها وذلك حسب ظروف الشركة أو المصنع المعني. وكان ذلك القرار تعبيرا عن قدرة الحركة العمالية على التكييف مع الظروف المستجدة وتعبيرا عن واقعيتها ورؤيتها للأمور في شكلها الصحيح وتفاعلها مع الكوادر العمالية الأخرى.

%d bloggers like this: