عمال المحلة ما بين 1927 – 1947 ( 1 )

كل يوم حكاية( 3)

عمال المحلة .. هم وقود ماكينات النسيج التي تعمل منذ 1927 حينما تأسست شركة مصر للغزل والنسيج , كإحدى شركات بنك مصر الذي أسسه ” طلعت حرب ” في عام 1920 , ويعتبر إنشاء بنك مصر برأسمال مصري خالص علامة بارزة في تاريخ مصر الاقتصادي , فكانت بداية لحركة التصنيع والنهضة الاقتصادية .

وبدأ بنك مصر بداية متواضعة حيث كان رأسماله 80.000 جنيه , وسرعان ما انطلق إلى رعاية الصناعة المصرية الناشئة التي جعلت بنك مصر واحد من أهم أدوات الاستثمار في الصناعة على خلاف ما جرت عليه البنوك التجارية في مصر , وارتفع رأسماله من 80.000 جنيه إلى مليوني جنيه . وزادت فروعه لتصل إلى 73 وحدة مصرفية في عام 1938 بالإضافة إلى وجود فروع في سوريا ولبنان والسعودية .

وكانت شركة مصر للغزل والنسيج با لمحلة الكبرى من كبرى المجمعات الصناعية التي أسسها ” طلعت حرب ” وبدأت برأسمال قدره 300.000 جنيه زيد تدريجيا فأصبح عام 1958 أربعة ملايين جنيه . أقيمت مصانعها في بادىء الأمر على مساحة قدرها 32 فدان ثم تم زيادتها إلى 580 فدان تشغل الأقسام الإنتاجية 335 فدان والباقي للمنشآت الاجتماعية ثم وصلت الآن مساحتها إلى 1000 فدان .

بدأت شركة مصر للغزل والنسيج إنتاجها عام 1930 وكان عدد مغازلها 12.200 مغزل وصلت إلى 300.000 مغزل تضمهم ستة مصانع للغزل .

وكانت تحتوى أيضا عند بدايتها على 484 نول للنسيج فأصبح الآن 5000 نول تضمهم عشرة مصانع للنسيج , تستهلك حوالي مليون قنطار من القطن , تمثل 25 % من اجمالى الاستهلاك الكلى للجمهورية .

كما يوجد بالشركة أربعة مصانع للملابس الجاهزة يبلغ إنتاجها 5.1 مليون قطعة في السنة , ويبلغ عدد العاملين بالشركة في عام 2008 أربعة وعشرون ألف عامل و ثلاثة ألف عامل مؤقت , ويوجد بالشركة ستة مراكز للتدريب المهني لرفع الكفاية الإنتاجية .

وأسست الشركة نادى غزل المحلة فى عام 1936 ويشارك فى بطولة الدورى العام فى مصر او نادى الفلاحين كما يطلقون عليه جماهير الكرة ..

وفى الاعوام 1927 – 1937 ظهرت مراكز صناعية جديدة , كما تطورت الصناعة بعض الشىء فى عدد من المدن القديمة , وفى كل مكان التحق بالانتاج الاف الفلاحين من المناطق المتاخمة حيث ابقوا اسرهم فى القرى .

وابرز مثال على ذلك هو الوضع فى منطقة المحلة الكبرى حيث شكل الفلاحين الكتلة الاساسية من عمالها , فقد جاء تقريبا كل عمال مصانع الغزل والنسيج التابعة لشركة مصر من المناطق الريفية المجاورة , وفيما بعد كانوا يعودون للريف مرة اخرى اما بشكل نهائى او بشكل مؤقت , وكان من الشائع ان يرسلوا اقاربهم للعمل فى مكانهم فى المصنع .

وقد وصل معدل التغيير فى قوة العمل فى السنوات الاولى من بناء المجمع الى 300 % فى السنة الواحدة . فيما بعد فى الاعوام مابين 1934 – 1945 بلغ معدل تغير العمال فى هذا المصنع من 50 : 100 % فى السنة .

وفى عام 1946 ووفق بيانات الشركة تركها 34.5 % من اجمالى العمالة والى جانب ترك العمل الذى يعبر عن تغير فى قوة العمل , فقد كان معدل الغائبين عن العمل فى اجمالى وقت العمل نسبة تقدر بـ 9 % فى المتوسط فى السنوات من 1934 – 1945 – وهى نسبة معقولة – وكان ترك العمل النهائى او المؤقت وسرعة دوران العمالة فى وقت قصير , يمثل احد مظاهر استمرار الصلة بالريف لدى الكثير من العمال الذين قاموا بالعودة الى الريف او زيارة اسرهم واقاربهم عدة مرات فى السنة . ومارسوا الاعمال الزراعية فى وقت زراعة او جنى القطن , كما قاموا فى بعض الاحيان بالعمل كأجراء زراعيين سددا لديونهم , او ديون اقاربهم , وبالطبع فان التغيب عن العمل يرجع الى اسباب اخرى اهمها المرض – امراض الرئة ومنها السل وهى الامراض التى تسببها المهنة – واحيانا ككل العمال المصريين من اصول ريفية الغياب بسبب حضور الافراح والماتم والموالد والمناسبات التى كانت تتم مراسمها فى القرية الام . وليس فى المدينة التى يشتغل فيها العمال . 

وما ذكرناه عن عن عمال المحلة ينطبق على عمال مجمع النسيج الاخر بكفر الدوار , حيث لم يزد عدد المشتغلين فيه فى نهاية الاربيعنات على 10 الاف عامل , وبلغ عدد من عملوا به على مدى 14 عاما ما يقرب من 54 الف عامل وهذا يبين تبدل قوام العمال فى المشروع فى فترات قليلة .

وقد تاسست تلك الشركة فى عام 1938 تحت اسم ” شركة مصر للغزل والنسيج الرفيع كفر الدوار ” .

 ونظريا فقد يترك هذا الظرف تاثيرا غير موات الى اقصى حد على اوضاع العمال , والذى تم فى ظله تجديد قوام المشروع بشكل كامل فى خلال عام الى عامين , وهو ما يمثل عقبة فى طريق تنظيم العمال وزيادة تلاحمهم وقد يؤخر ذلك نمو وعيهم الطبقى , ويسهل لاصحاب العمل مهمتهم فى اجهاض اى احتجاجات او تحركات عمالية .

وبدون شك ان استمرار الصلة بالريف وعلاقاته من اهم العوامل التى تؤدى الى تدهور الاوضاع العامة للعمال .

لكن من الهام والضرورى ان ننظر الى الصورة من زوايا اخرى وايا كانت اصول العمال ريفية او حضرية , فعندما فكر ” طلعت حرب ” باشا الاقتصادى المصرى الشهير فى اقامة صناعة وطنية للغزل والنسيج , كان طبيعيا ان يفكر فى المحلة للجذور التاريخية للمدينة فى صناعة الغزل والنسيج , حيث كانت المحلة مركزا لغزل الكتان فى عهد الفراعنة , ثم انتاج الحرير فى العصر الاسلامى , حتى جاء القطن .

ومع حكم ” محمد على ” وانشاء فى المحلة الكبرى فابريقه لغزل القطن بها 120 دولابا و 60 الة لتمشيط القطن و 200 من الانوال , وكانت الفبريقة تحتوى على مسبك وورش للحدادة والخراطة تصنع فيها دواليب الغزل وأمشاطه وغيرها من الآلات التي ترسل إلى المصانع الاخرى .

وفى عام 1917 كانت الأنوال تملأ بيوت المحلة حتى وصل عددها إلى 2455 نولا , ثم إلى مصنع ضخم , وهو شركة مصر للغزل والنسيج فى عام 1927 .

اضف الى ذلك ان العمال والشعب المصري عموما لم يكن بمعزل عما يدور فيه من حركات وطنية وسياسية ومقاومة للانجليز , ومن ضمن الحركات التي كانت موجودة على الساحة المصرية ( جماعة الاخوان المسلمين , مصر الفتاة , الحركة الشيوعية ) فضلا عن الأحزاب السياسية وعلى راسها حزب الوفد وكل هذا اثر بشكل مباشر او غير مباشر على الحركة العمالية عموما فى مصر .

ويخبرنا ” عبد المنعم الغزالى الجبيلى ” وهو مؤرخ عمالي مرموق فى كتابه ” 75 عاما من تاريخ الحركة النقابية المصرية ” : 

شهد عام 1938 موجة من الاضرابات والاعتصامات بين عمال الصناعات المختلفة وخاصة بين عمال النسيج الذين بدأ عود نضالهم يشتد لياخذوا مكان الطليعة مع عمال النقل فى النضال العمالى . وفى منتصف عام 1938 شهدت البلاد الاضراب العمالى الضخم الذى قام به عمال النسيج فى المحلة . قد قام هذا الاضراب فجاة وقادته لجنة سرية للاحتجاج على الظروف السيئة التى كان يعمل فيها عمال النسيج فى شركة مصر بالمحلة الكبرى . حيث كانت اجورهم تتراوح بين 15 , 25 مليما فى اليوم , عن الاجور وساعات العمل فى المحلة قال العامل المناضل ” فكرى الخولى ” فى كتابه الرحلة ( …. احنا بنتشغل الاسبوع ده بالليل من الساعة 8 للساعة 7 صباحا والاسبوع اللى جاى بنشتغل بالنهار من الساعة 7 للساعة 8 بالليل . احنا بنشتغل على مكن بيغزل القطن .. عملوا لنا قرش صاغ فى اليوم ولما نتعلم راح يزودونا .. الريس قال كده ) 

وكان الاضراب عنيفا غاية العنف و حطم العمال الالات وبعض الابنية , واستخدمت الحكومة قوات الجيش والبوليس فى القضاء على الاضراب , وحدثت مجزرة رهيبة جرح فيها المئات والقى القبض على 150 من العمال قدموا للمحاكمة . وحكم على 50 منهم بالسجن , وقد استمر هذا الاضراب حوالى شهرين .. 

ولكن من الملاحظات الهامة التى يجب ان نسجلها هنا عن التحول الهام فى اضرابات هذه المرحلة , ان بعض الاضرابات والمظاهرات نظمت من اجل مطلب يهم الطبقة العاملة كلها و هو المطالبة بضرورة اصدار تشريع للعمل .
ونقف هنا عند اشياء مهمة فى هذا الاضراب من حيث ( طول مدته , تشكيل لجنة سرية لقيادته ) وهنا يتبادر الى الذهن ان العمال كانوا على درجة عالية من التنظيم والصمود وان هناك قيادات طبيعية اختارها العمال لتقود الاضراب .

كان هذا الاضراب فى ظل حكومة ” محمد محمود باشا ” وكان وزير الداخلية فى ذلك الوقت ” محمود فهمى النقراشى ” وكان يجلس على عرش مصر الملك ” فاروق الاول ” بعد وفاة الملك ” فؤاد ” وكان الملك فاروق لن يتجاوز من العمر ثمانية عشر عامل هلالية ( هجرية ) , وكان عدد سكان مصر 14 مليون نسمة .

 اما عن الاجر فى مجمعات النسيج فى المحلة الكبرى , حيث كانت فئات الاجر عموما اعلى منها فى المشروعات الصغيرة فوفقا للبيانات الواردة فى سيرة الحياة الرسمية لـ ” طلعت حرب ” لم يتجاوز متوسط اجر العامل 20 جنيه فى السنة .

كما ان اجور عمال الصناعة فى عام 1938 كما ورد فى دراسة اجرتها وزارة الصناعة والتجارة وشملت 158 الف عامل – اى الجزء الاكبر من العمالية الصناعية , لم يتجاوز متوسط الاجر فى الصناعة مع الاخز فى الاعتبار بالفارق بين اجور العمال الرجال والنساء والاطفال 7.76 قرش فى اليوم ومتوسط الاجر السنوى للعامل 22.3 جنيه بحساب 228 يوم عمل فى السنة .

 اما عن الظروف السيئة التى كان يعمل فيها عمال الغزل والنسيج فى المحلة الكبرى يهمنا ان نبين حقيقتها 

فقد استدعى بناء مجمع النسيج بالمحلة الكبرى فى الثلاثينات من القرن الماضى ” تدفق عشرات الالاف من العمال وافراد اسرهم الذين عاشوا فى تلاصق رهيب فى اماكن غير مهيئة للسكنى على الاطلاق , وقد ذكر احد مفتشى مكتب العمل فى حديث مع مراسل مجلة ” روزاليوسف ” كيف انه فى سياق بحث عن مساكن العمال واتضح انه عادة ما يعيش فى الغرفة غير الكبيرة 30 شخصا . ينام منهم 20 شخصا ليلا والـ 10 الاخرون نهارا ..

كما صرح الاقتصادى المصرى ” سيد ” – الذى اقترنت باسمه شركة سيد للادوية – بان هذا الوضع كان عاديا بالنسبة لظروف الحياة فى المحلة الكبرى قبل الحرب العا لمية الثانية . وانه فى كل غرفة فى الاحياء العمالية كان يعيش بالتناوب مالا يقل عن 8 – 10 عمال من العزاب والمتزوجين . وكان العمال الذين عاشوا فى مثل هذه الملاجىء مضطرين الى اقتسام السرير مع رفاقهم العاملين فى وردية اخرى , ولم يكن السرير يخلو ولو لساعة ويظل دافئا طوال الليل والنهار .

وبرغم ظاهرة ترك العمل الدائمة والمؤقتة الا ان وجود جيش ضخم من العاطلين خارج المصنع , والمتعطشين لتجاوز اعتابه بأى ثمن , والحصول على اجر ثابت , ولد حالات كثيرة من الفساد والمحسوبية عند اختيار العمال الجدد , وفى مجمع النسيج الضخم بالمحلة الكبرى انتشرت الرشوة والمحاباة والفساد .

وكان يختار للعمل اولئك الذين دفعوا للاسطى والملاحظ وصغار الموظفين . تلك هى اوضاع العمال السيئة واجورهم المتدنية , حيث تساوى الاجر الحقيقى فى عام 1938 بمستوى الاجر الحقيقى فى عام 1913 , والسكنى الغير ادمية والفساد والرشوة والمحسوبية فى تعيين العمال الجدد والتعسف فى توقيع الغرامات على العمال . كل هذه الامور دفعت عمال المحلة فى عام 1938 لرفع رايات الاضراب والتى استمرت كعلامات مهمة فى مسيرة نضال الطبقة العاملة المصرية 

ان نهوض الحركة العمالية فى المحلة الذى بدأ فى سنة 1938 كان بعيدا عن بلوغ ذروته وتوقف حيث انه مع بداية الحرب العالمية الثانية واعلان حالة الطوارىء تم حظر اضرابات واى مظاهرات جماهيرية .

وعندما توقفت الحرب كان لعمال المحلة جولة اخرى عام 1946 – 1947 وهو موضوع الحلقة الثانية
المراجع : 

  1. 75 عاما من تاريخ الحركة النقابية المصرية ” عبد المنعم الغزالى الجبيلى ” 

  2. مذكرات فى السياسة المصرية ” د / محمد حسين هيكل “

  3. التطور الراسمالى فى مصر و الطبقة العاملة المصرية ” ل . أ . فريدمان 

ترجمة د / زهدى الشامى

Advertisements