​منظمـة العمـل العربيــة

ورشة العمل التدريبية

حول

“تنمية الموارد البشرية وتعزيز الشراكة بين أطراف الإنتاج”

عمان 7- 9 كانون الأول 2010

“دور النقابات في رفع الكفاءة المهنية وتطوير كوادرها”

                                                      د. حـيــدر رشـيــد

الأمين المساعد للعلاقات الخارجية

                                                  الاتحاد العام لنقابات عمال الأردن دور النقابات في رفع الكفاءة المهنية وتطوير كوادرها

النقابات العمالية/ ما هي:-
يستند العمل النقابي إلى مبدأ هام وهو الانتقال من الجهد الفردي إلى الجهد الجماعي لضمان الحفاظ على حقوق طرف من أطراف الإنتاج الرئيسية في مواجهة طرف إنتاجي آخر يتمتع بالقوة والقدرة على التحكم في شروط العمل المختلفة بما فيها الأجر، وعمليا فإن ملكية كل طرف من أطراف الإنتاج هي التي تحدد قوته وقدراته، فأصحاب العمل يملكون وسائل الإنتاج ورأس المال وهي العناصر التي تحقق الربح، بينما لا يملك العمال سوى قوة عملهم وجهدهم اليدوي والعقلي، ولأن ثمن قوة العمل أي الأجر وحقوق العاملين الأخرى لها تأثير كبير على حجم الأرباح فإن لكل طرف من أطراف الإنتاج العمال وأصحاب العمل مصلحة خاصة مختلفة عن مصلحة الطرف الآخر وهذا ما يدفع العمال تاريخيا للتوحد والتجمع في نقابات بدات عمليا على شكل جمعيات من أجل المحافظة على حقوقهم.
نشأة الحركة النقابية العمالية:-
بدأت محاولات تشكيل النقابات العمالية منذ تبلور تقسيم عناصر الإنتاج بين رأس المال والعمل، وقد لعبت الثورة الصناعية دورا كبيرا في هذا المجال حيث حلت الآلة مكان الإنسان في زيادة الإنتاج، وأثر ذلك بشكل كبير على ظروف وشروط العمل، وبدأ العمال يشعرون بالحاجة إلى التوحد لمواجهة عمليات الاستغلال الكبيرة التي تعرضوا لها، ونتيجة لذلك ظهرت بوادر تشكيل النقابات العمالية بداية في بريطانيا، وفي سنة 1720 حاول عمال الخياطة في المدن البريطانية وعددهم حوالي 700 عامل تأليف جمعية لزيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل بمقدار ساعة واحدة يوميا، ورغم أن هذه المحاولة باءت بالفشل إلا ان المحاولات استمرت بتشكيل جمعيات مستقلة عندما انتشرت الاضطرابات بين عمال النسيج مما دفع البرلمان لإقرار نص ينص على معاقبة أي تكتل عمالي، وقد استمر هذا الوضع حتى عام 1826 عندما رفع الحظر القانوني عن التكتلات العمالية فأصبحت مرخصة وتمارس حق التفاوض الجماعي.

في المانيا بدات محاولات تأسيس نقابات عمالية متأخرة عن بريطانيا من عام 1830 وحتى عام 1865 عندما تأسست نقابة عمال التبغ في هامبورغ، أما في فرنسا فقد ظهر العمل النقابي على شكل تعاونيات منذ عام 1791 كان هدفها زيادة أجرة يوم العمل، وقد تطورت هذه التعاونيات لتاخذ شكل غرف نقابية، واستمر عمل هذه الغرف حتى أقر البرلمان الألماني عام 1882 أول قانون يسمح للعمال بحق تنظيم النقابات.

في الولايات المتحدة الأمريكية بدات محاولات تشكيل النقابات العمالية في أواخر القرن الثامن عشر عندما اندلعت اضطرابات عمالية بين عمال المطابع في فيلادلفيا ونشأ عن ذلك تأسيس نقابة عمال المطابع في نيويورك ونقابة عمال الخياطين في بالتيمور، وفي عام 1879 تم تنظيم إضراب عمالي في قطاع سكك الحديد، ارتفع بعده عدد المنتسبين إلى النقابات من 120 ألف إلى 700 ألف منتسب سنة 1886 وذلك في نفس العام الذي تم به تأسيس الاتحاد الأمريكي للعمل بدلا من النقابة المسماة فرسان العمل.
نشأة الحركة النقابية العربية:-
ارتبط تشكيل النقاباتالعمالية العربية في المشرق والمغرب العربي وبلاد الشام بالنضال ضد الاستعمار، وتراوح تأسيس هذه النقابات من حيث البداية بين نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وقد تميز تشكيل هذه النقابات ودورها بالترابط مع النضال الجماهيري العام، وأصبحت النقابات العمالية العربية جزء من حركة التحرر، وقدمت هذه النقابات في العديد من الدول العربية العديد من الشهداء خلال فترة النضال ضد المستعمرين جنبا إلى جنب مع دورها المطلبي وأكبر مثال على هذا الدور هو ما قامت به النقابات العربية خلال فترة العدوان الثلاثي على مصر واحتلال بور سعيد.

خلال هذه الفترة كانت بعض هذه النقابات مرتبطة مع النقابات العمالية في بعض الدول المستعمرة نفسها، والتي كان بعضها يتضامن مع شعوب الدول المستعمرة ويقف ضد حكوماته، وقد تجلى ذلك بشكل واضح في بعض دول المغرب العربي، وبعد الاستقلال تحولت هذه النقابات أو الاتحادات العمالية إلى مؤسسات جماهيرية ضخمة وقوية لا يزال بعضها يلعب دورا هاما في حياة شعوبها سواء من حيث دورها السياسي أو دورها المطلبي بين صفوف العمال.
المهمات الرئيسة للنقابات العمالية:-
شكل تأسيس منظمة العمل الدولية سنة 1919 دعما قويا للنقابات العمالية، وذلك من خلال تكريس مجموعة من المبادئ والأسس التي تحكم عمل هذه النقابات، وفي سياق النشاط الذي تقوم به المنظمة والتي تستند على التمثيل الثلاثي عمالا وأصحاب عمل وحكومات بدات المنظمة بإصدار اتفاقياتها السنوية التي اتفق على تسميتها بمعايير العمل الدولية وهي عبارة عن اتفاقات تنظم حقوق العمال وآلية تطبيقها، واستنادا لهذه المعايير والاتفاقات وإلى الأسس الموضوعة التي تشكلت النقابات على أساسها فإن للنقابات العمالية دور هام جدا في الدفاع عن العمال وفي تنظيم العلاقة بينهم وبين أصحاب العمل، ويتمثل هذا الدور في:-
حق التنظيم والمفاوضة الجماعية:-
وهذا الحق هو أحد أهم جوانب نشاط النقابات العمالية ويتعلق بالتفاوض مع أصحاب العمل من أجل تأكيد حق العمال في التنظيم النقابي أولا وثانيا من أجل تحسين شروط العمل وتأخذ المفاوضة أشكالا رئيسة أبرزها:-
1. المفاوضة بشأن الأجور اليومية والشهرية وهذا الشكل من التفاوض يتعلق بعدد من الظروف منها:

أجر العامل الأساسي

الحوافز والامتيازات والحقوق الأخرى

الظروف المختلفة التي تحكم الوضع الاقتصادي بشكل عام ووضع المؤسسة التي يعمل بها العامل ومن هذه الظروف:

التضخم

ربحية النشأة

انتاجية العامل

مقارنة المهن والأجور

تزايد الخبرة
2. التفاوض حول الحقوق والامتيازات خارج نطاق الأجور وتشمل العمل على التنسيق في جوانب عديدة أخرى من شروط العمل وأهمها:

     –  ظروف وبيئة العمل

  • ساعات العمل

  • الأجازات

  • السلامة والصحة المهنية

  • التدريب المهني

  • تخفيض أعداد العاملين

  • نوعية الحياة

  • العلاقات الصناعية

  • إجراءات تسوية الشكاوى

  • التشاور على المستوى الصناعي والوطني

  • المشاركة في اتخاذ القرارات على مستوى المنشأة

  • حقوق ممثلين العمال والتفرغ النقابي

  • خصم اشتراك النقابة

  • حقوق المرأة الخاصة

  • الحد الأدنى للأجور

  • الأجر المتساوي للعمل المتساوي 

  • بعض الاتفاقات الخاصة والهامة التي أكدت على الحقوق النقابية للعمال في بعض جوانب العمل النقابي.
    معايير  العمل الدولية كمرشد رئيسي:-
    تأسست منظمة العمل الدولية في عام 1919 ويشكل دستورها جزءا أساسيا من اتفاقية فرساي التي وقعت بعد الحرب العالمية الأولى وليست الصفة الرسمية ذات أهمية تاريخية وحسب حتى اليوم ولذلك فإن حكومة أية دولة تقبل عضوية منظمة العمل الدولية فإنها ترتبط بالتزامات دولية مثل تلك التي تترتب على توقيع معاهدة، إن لهذه العضوية تأتُير كبير على العمل الذي يجب القيام به بالنسبة للحرية النقابية وللاتفاقية التي عقدتها منظمة العمل الدولية في هذا الشأن.

وتوجد سمة خاصة بمنظمة العمل الدولية وهي بنيانها الثلاثي والذي يجعلها فريدة من نوعها من بين المنظمات الدولية التي تضم الحكومات ومن حق ممثلي العمال وأصحاب العمل في نطاق بنيان منظمة العمل الدولية بل ومطلوب منهم الاشتراك على قدم المساواة مع ممثلي الحكومات في جميع المناقشات والقرارات التي تدور داخل أجهزة المداولات.

وتضم المنظمة هيئتين هما مجلس الإدارة ومؤتمر العمل الدولي وهو جهاز منظمة العمل الدولية الأعلى، وهو يعتمد الميزانية الممولة من مساهمات حكومات الدول الأعضاء ويقر الاتفاقيات والتوصيات التي تضع معايير العمل الدولية والقرارات التي تمثل توجهات السياسة العامة للمنظمة، إن المؤتمر الذي ينعقد كل عام يقوم أيضا بدور منبر عالمي لمناقشة المسائل الاجتماعية وشؤون العمل ويتكون كل وفد في المؤتمر من مندوبين حكوميين ومندوب عن أصحاب العمل وآخر عن العمال والذين يمكن أن يصاحبهم مستشارون فنيون وفقا لمقتضيات الضرورة، ويتمتع مندوبو أصحاب العمل والعمال بحرية التعبير ويمكنهم وهذا هو ما يحدث في كثير من الأحيان أن يختلفوا مع حكوماتهم ومع بعضهم البعض.

مجلس الإدارة هو المجلس التنفيذي لمنظمة العمل الدولية ويتم انتخابه كل ثلاث سنوات من جانب المؤتمر وقد وصف بأنه المحور الذي تدور حوله جميع أنشطة المنظمة ويجتمع مجلس الإدارة عادة ثلاث مرات سنويا، وهو يضع جدول أعمال المؤتمر ويرعى القرارات التي يتخذها المؤتمر ويتخذ القرارات بالنسبة للأعمال التي يجب القيام بها نتيجة لقرارات المؤتمر، وهو يقوم بتعيين المدير العام وبتوجيه أنشطة مكتب العمل الدولي من خلال مديره العام.

ومجلس الإدارة يماثل المؤتمر في أنه ثلاثي التكوين ويضم 56 عضوا 28 يمثلون الحكومات و14 يمثلون العمال و14 يمثلون أصحاب العمل ومن بين المقاعد الحكومية الثمانية والعشرين يوجد عشرة مقاعد للدول ذات الأهمية الصناعية الرئيسية ويتم انتخاب الثمانية عشر عضوا حكوميا الباقين من جانب مندوبي الحكومات أثناء انعقاد المؤتمرويجب أن يكونوا من دول أخرى غير الدول ذات الأهمية الصناعية الرئيسية، كما يقوم مندوبو الحكومات أيضا بانتخاب 18 عضوا مناوبا بمجلس الإدارة ويقوم مندوبو العمال وأصحاب العمل على التوالي بانتخاب 14 عضو من العمال و14 عضو من أصحاب العمل كما أنهم ينتخبون أيضا 14 عضوا مناوبا عن أصحاب العمل.

ومكتب العمل الدولي هو السكرتارية الدائمة للمنظمة ويسمى منظمة العمل الدولية ويعد المكتب الوثائق والتقارير التي تمثل الموادالأساسية لمؤتمرات المنظمة واجتماعاتها المتخصصة ويقوم أيضا بأعمال السكرتارية لهذه الاجتماعات ويستوظف خبراء التعاون الفني ويقدم الإرشادات للأنشطة الفنية ويشترك المكتب في البحوث وفي التثقيف ويصدر سلسلة طويلة من الدوريات المتخصصة وغيرها من المطبوعات التي تعالج شؤون العمل والقضايا الاجتماعية كما يعاون الإدارات الحكومية ومنظمات العمال وأصحاب العمل ويوجد المقر الرئيسي للسكرتارية في جنيف بسويسرا وقد يوجد عدد آخر من مكاتب منظمة العمل الدولية في أجزاء مختلفة من العالم.
معايير العمل الدولية/ الاتفاقيات والتوصيات:-
يوجد نوعين رئيسيين من الوثائق التي تضعها منظمة العمل الدولية لإقامة مستويات عمل دولية وهذين النوعين هما الاتفاقيات والتوصيات، إن جوهر التمييز بين الاثنين هو أن الاتفاقيات مثل المعاهدات الدولية موضوعة بهدف تصديق الحكومات عليها، إن الدولة التي تصدق حكومتها على اتفاقية تلتزم بتعهدات قانونية بوجود إشراف دولي منتظم على طريقة العمل بموجب هذه الالتزامات، أما التوصيات فهي غير قابلة للتصديق ولا يترتب عليها تعهدات ملزمة فهي تقدم على أنها توجيهات للسياسة والعمل القومي.

إن كلا من الوثيقتين تخضع لإعداد تفصيلي ولمناقشة واسعة أثناء دورة أو أكثر من دورات مؤتمر العمل الدولي  ثم يجري التصويت عليها وإقرارها وبالرغم من أنه ليس من النادر على الإطلاق الموافقة على اتفاقية وعلى توصية بشأن نفس الموضوع إلا أنه ليس من الغريب أن مندوبي العمال في مؤتمر العمل الدولي يفضلون الموافقة على اتفاقيات بينما يصر مندوبو أصحاب العمل في أحيان كثيرة على الصورة الأقل إلزاما والمتمثلة في التوصية.
التدريب والتثقيف في معايير العمل الدولية:-
لقد تحولت معايير العمل الدولية وكافة الاتفاقيات البالغ عددها حتى الآن 182 اتفاقية إلى مرشد رئيس في عمل النقابات العمالية ويتم الحكم على حقيقة العمل النقابي وموقف الدول المختلفة من هذا العمل من خلال مدى توقيع هذه الدول على اتفاقيات منظمة العمل الدولية وفي واقع الحال فإن الجوانب المختلفة التي تغطيها هذه الاتفاقيات مختلفة ومنها بطبيعة الحال الاتفاقيات المتعلقة بالإجازات الدراسية مدفوعة الأجر.
لقد عالجت معايير العمل الدولية كما ذكر كافة الجوانب المتعلقة بقضايا العمال المختلفة ومن ضمن هذه القضايا التثقيف والتدريب والإجازات الدراسية مدفوعة الأجر من خلال عدد من الاتفاقيات سواء كان ذلك بشكل عام مثل الاتفاقية رقم 140 لسنة 1989 بشأن الإجازة الدراسية مدفوعة الأجر أو الاتفاقية رقم 168 لسنة 1989 بشأن النهوض بالعمالية والحماية من البطالة والاتفاقيات الخاصة بالإجازات مدفوعة الأجر لفئات معنية من العمال كالاتفاقية رقم 91 لسنة 1990 والخاصة بالبحارة أو الاتفاقية رقم 101 لسنة 1989 والخاصة بعمال الزراعة.

من بين هذه الاتفاقيات المختلفة فإن الاتفاقية رقم 140 بشان الإجازة الدراسية مدفوعة الأجر هي الاتفاقية الأكثر علاقة وارتباطا بالتدريب والتثقيف ورفع كفاءة العمال وقد نصت المادة “2” من هذه الاتفاقية على أن تضع كل دولة عضوة وتطبق سياسة مصممة لتعزيز منح إجازات دراسية مدفوعة الأجر وفق طرائق تتفق مع الظروف والممارسة الوطنية وعلى مراحل عند الاقتضاء وذلك للأغراض التالية:-
التدريب على أي مستوى.

التثقيف العام والاجتماعي والمدني.

التثقيف النقابي.
كما نصت المادة “3” من نفس الاتفاقية على أن “تصمم تلك السياسة بحيث تسهم بأساليب مختلفة عند الاقتضاء في تحقيق:-
اكتساب مهارات مهنية ووظيفية وتحسينها وتكييفها وتعزيز العمالة وضمان العمل في مواجهة التقدم العلمي والتكنولوجي والتغيرات الاقتصادية والهيكلية.

المشاركة الكفؤة والفعالة للعمال وممثليهم في حياة المنشأة والمجتمع المحلي.

ترقي العامل على الصعيد الإنساني والاجتماعي والتقني.

تعزيز التعليم والتدريب المتواصلين والمناسبين عموما مما يساعد العمال على التكيف مع مقتضيات عصرهم.
لقد حددت المادة “1” من هذه الاتفاقية نطاق تطبيقها في منح الإجازة الدراسية للعامل والتي تسمح له لأغراض الدراسة لمدة محدودة خلال ساعات العمل وتدفع له مستحقات مالية وبمثل هذا التحديد فإن الاتفاقية وهي الأقوى في مجال رفع كفاءة العمال ومسؤولية أصحاب العمل في ذلك لم تحدد الجهة المسئولة عن رفع كفاءة العامل وتثقيفه وأبقت هذه المهمة غامضة كما أنها أبقت نطاق ذلك في حدود الساعات التي تمنح للعامل خلال ساعات العمل ويتحمل صاحب العمل كلفتها ودفع مستحقاتها المالية للعامل.

إن هذا الحصر في معايير العمل الدولية لدور النقابات العمالية في التثقيف والتدريب بالإجازات الدراسية مدفوعة الأجر يلقي عبئا كبيرا على هذه النقابات ويضع أمامها مهمات جديدة تتعلق بخلق وإبتكار الوسائل الكفيلة بتحقيق الأهداف المختلفة التي تحترم العمال وتساعد في توسيع قاعدة نقاباتهم وزيادة انتشارها وإقناع العمال بضرورة الانتساب لها.
دور النقابات العمالية ما بين الثقافة العمالية ورفع الكفاءة المهنية:-
تختلف زيادة الثقافة العمالية للعمال اختلافا جذريا عن رفع الكفاءة المهنية لهم ففي الوقت الذي تعتبر به الثقافة العمالية مهمة مشتركة لأطراف الإنتاج العمال وأصحاب العمل والحكومات وتنعكس نتائجها إيجابيا على إنتاجية العامل وعلى هذه الأطراف الثلاثة فإن عبئها المالي يجب أن يقع بشكل رئيس على الحكومات وأصحاب العمل اما عن برامجها وآلياتها فإنها من مهمات الحركة العمالية والنقابية.
لقد عرفت التوصية رقم “1” للحلقة الدراسية الأولى للثقافة العمالية في الوطن العربي في بغداد ما بين 1- 10/4/1972 مفهوم الثقافة العمالية بأنه “بلورة مفاهيم الطبقة العاملة في فكر تتسلح به الحركة النقابية ليكون أداتها في مواجهة أشكال الاستغلال الطبقية والأجنبية والوعي لإبعاد قضيتها القومية وتأهيلها لتحتل المكانة التي حددها لها التاريخ في المرحلة النضالية الراهنة التي تعيشها الامة العربية سواء كان ذلك من حيث حقها الذي يؤهله حجمها وارتباطها بعملية التطور أو من حيث التزامها بتحقيق مزيد من الإنتاج بغية الوصول إلى مجتمع الوفرة والرخاء”.
في جانب آخر جاء في المادة الثالثة- الفصل الثاني من دستور منظمة العمل العربية على أن المنظمة تهدف إلى تحقيق عدد من الأهداف وقد جاء في البند الرابع من هذه الأهداف ما يلي:-
القيام بالدراسات والبحوث المختلفة وعلى الأخص في مجال:-
تخطيط القوى العاملة.

ظروف وشروط العمل للمرأة والأحداث.

المشاكل المتعلقة بالعمل في الصناعة والتجارة والخدمات.

مشاكل عمال الزراعة.

الامن الصناعي (السلامة العمالية) والصحة المهنية.

الصناعات الصغرى والريفية.

الثقافة العمالية.

التثقيف المهني.

التعاونيات.

الكفاية الإنتاجية وعلاقتها بالتشغيل والإنتاج.
لقد أشارت هذه النصوص بشكل مقتضب إلى الثقافة العمالية كما أشارت إلى التثقيف المهني الذي يعني عمليا رفع الكفاءة المهنية للعامل وهو الأمر الذي تنعكس نتائجه على إنتاجية العامل ويؤدي بالتالي إلى تحقيق مصلحة صاحب العمل، وفي هذا المجال فإن رفع الكفاءة المهنية للعامل يختلف عن زيادة ثقافته العمالية على أن كلا المهمتين تقعان بشكل رئيس على عاتق صاحب العمل من الناحية المالية وإن كان التثقيف العمالي يعتبر حصرا من مهمات النقابات العمالية من حيث الإعداد والبرامج.
دور النقابات في تطوير كوادرها:-
ترتبط الثقافة العمالية بالعمال ومنظماتهم النقابية ارتباطا وثيقا فالعمال هم مادتها وهدفها الأساسي ولا تقف العلاقة بين الثقافة العمالية والمنظمات النقابية عند هذا الحد بل تتعداه إلى حقيقة ارتباط ظهور الثقافة العمالية بظهور الحركة النقابية في كافة أنحاء العالم ويضاف إلى ذلك حقيقة اهتمام النقابات بتنشيط حركة الثقافة العمالية والإشراف عليها وتمويلها.
من جهة ثانية فإن العمال هم المستفيدون من كافة أشكال الثقافة العمالية ابتداء من محو الأمية والتعليم والتدريب المهني وتطوير مفاهيم الصحة والسلامة المهنية والعمالية وانتهاء بزيادة الوعي والفهم النقابي وتطوير الاستعداد للانخراط والالتزام في الهياكل النقابية.
وتشير تجارب الدول المختلفة إلى مبادرة الاتحادات العمالية منذ بداية تشكيلها إلى محاولة تنظيم الثقافة العمالية وهو ما يؤكد الترابط بين النقابات العمالية والثقافة العمالية واهتمام الحركة النقابية بتطوير وتعزيز برامج ونشاطات هذه الثقافة لكن دور الحركة النقابية في تطوير الثقافة العمالية لا يقف عند حدود ما تقوم به الاتحادات العمالية القطرية بل يتعدى ذلك إلى مساهمات الاتحادات العمالية المهنية القطرية والإقليمية والعالمية والاتحادات النقابية العالمية من خلال نشاطاتها المشتركة مع المؤسسات الاكاديمية والمنظمات العمالية ذات التمثيل الثلاثي.
وتلعب هذه الاتحادات دورا هاما في تطوير الثقافة العمالية سواء من خلال النشرات الدورية او المجلات والمطبوعات والمؤتمرات والدورات والندوات وعلى المستوى العربي يقوم الاتحاد الدولي لنقابات العامل العرب بدور هام في هذا المجال كما تلعب الاتحادات العمالية العالمية دورا في مجال الثقافة العمالية ومنها بشكل خاص اتحاد النقابات العالمي والاتحاد الدولي لنقابات العمال الحرة إضافة إلى الاتحادات العمالية المهنية على المستوى العربي والإقليمي والعالمي ويتوفر لدى العديد من هذه الاتحادات برامج للثقافة وأقسام للخدمات الثقافية وتشمل هذه الأقسام كليات ومعاهد تقدم المنح الدراسية وتعقد الدورات والزيارات الميدانية والمطبوعات والأفلام وتعقد المؤتمرات وتحتفظ بأقسام التوثيق فيها بالعديد من الدراسات والأبحاث.
لذلك يعتبر دور النقابات أساسيا في هذا المجال فكفاءة الكوادر النقابية تعني بالأساس قدرتهم على القيام بدورهم النقابي في النقابات بالإضافة لتراكم الخبرة العملية لكوادرها أن تقوم بدور أساسي من خلال الدورات النقابية وحضور المؤتمرات المختلفة وتلعب المنظمات النقابية والإقليمية والدولية دورا هاما في هذا المجال، فالاتحاد الدولي لنقابات العمال العربي والاتحادات العمالية العالمية دورا أساسيا في هذا المجال، كما تساهم البرامج التي تنظمها وتنفذها المؤسسات الدولية القائمة على التمثيل الثلاثي دورا هاما أيضا في هذا الجانب ومنها بشكل رئيس منظمة العمل الدولية ومنظمة العمل العربية ويعتبر هذا الدور هاما جدا وذلك بسبب توفر التمويل المالي اللازم لمثل هذه البرامج والقائم على مساهمات الحكومات في ميزانيات المؤسسات وبطبيعة الحال وبسبب التمثيل الثلاثي في مجالس إدارة هاتين المنظمتين فإن العمال يمكن أن يكون لهم دور واضح في نوعية ومحتوى البرامج التدريبية والتدريسية التي تنظمها هاتين المنظمتين.
دور المؤسسات السياسية والأكاديمية في الثقافة العمالية وفي تطوير الكوادر النقابية:-
لم يعد الاهتمام بالثقافة العمالية ورفع الكفاءة المهنية للعمال مقصورا على العمال وأطراف الإنتاج الرئيسية بل تعداه إلى جهات ومؤسسات أخرى خارج إطار ونطاق العملية الإنتاجية.
ومع ظهور اقتصاد العمل كفرع رئيسي من فروع علم الاقتصاد وبشكل خاص خلال الخمسة عقود الأخيرة وترسخ الصلة بين هذا الفرع والجوانب المختلفة للعمل النقابي كالتفاوض الجماعي والتشريعات العمالية وسياسات الأجور والضمان الاجتماعي وسياسات الحوافز والامتيازات المختلفة وتصاعد أهمية تحليل الميزانيات وتفسير العلاقة بين المتغيرات والظواهر المختلفة كالتضخم والبطالة والاستخدام وبين النشاط النقابي فقد ازدادت الأهمية النسبية لدور المؤسسات الأكاديمية والجامعية والتعليمية في تطوير الثقافة العمالية ومع زيادة هذا الدور تصاعدت الحاجة بالنسبة للنقابات العمالية للاهتمام بهذه الجوانب واستحداث أقسام خاصة بالدراسات والبحوث والاستعانة بالخبراء في هذا المجال وبنفس القدر الذي ظهرت به أهمية ذلك تصاعد اهتمام المؤسسات الأكاديمية نفسها بهذه القضية حتى استحدثت الآن أقسام خاصة في غالبية الجامعات لهذه الجوانب المختلفة.
على أن اهتمام المؤسسات الأكاديمية والتعليمة بهذه الجوانب ليس حديثا وجديدا فمنذ فترة طويلة بدأت جامعة وسكونس في أمريكا بعقد دورات لتثقيف العمال وكان ذلك منذ عام 1924، وقد انتشر هذا النظام في امريكا حيث تعطى دورات تثقيفية للعمال في العديدمن الجامعات مثل جامعة رونجرز وكاليفورنيا وألينوي.
أما في بريطانيا فالتعاون بين الجامعات والمنظمات النقابية يعود إلى فترة أبعد حيث بدأت دورات الدراسات الإضافية عام 1873 في جامعة كامبردج وقد تطورت تجربة هذه الجامعة لتصل إلى تأسيس لجان مشتركة لتعليم الكبار فمنذ عام 1917 وعن طريقها تتعاون روابط الثقافة العمالية وسلطات التعليم المحلي مع أقسام الدراسات في الجامعات في تنظيم فصول الكبار، أما في المانيا فهناك أكاديميتان للعمال في فرانكفورت وهامبورج وهناك جامعات عمالية الآن في بولندا ويوغسلافيا ومصر كما ان هناك سبعة معاهد عمالية جامعية في فرنسا.
النقابات العمالية ورفع الكفاءة المهنية للعمال:-
يختلف رفع الكفاءة المهنية للعمال اختلافا جذريا عن تطوير الكوادر النقابية فرفع الكفاءة المهنية يتعلق بشكل رئيس بزيادة معرفة العمال بطبيعة عملهم الأمر الذي ينعكس إيجابا على إنتاجيتهم الأمر الذي يستفيد منه صاحب العمل أولا والعامل ثانيا من خلال ترقيته وزيادة دخله وامتيازاته المختلفة.
لقد لاحظت منظمات أصحاب العمل وخاصة في المؤسسات الكبيرة كما لاحظت الحكومات أهمية هذه القضية فبادرت إلى تأسيس وإنشاء المراكز التدريبية سواء كانت حكومية أو خاصة وذلك على مستوى الوطن أم على مستوى المنشأة فعالية بل كافة المؤسسات الكبيرة الناجحة لديها ومراكز تدريب خاصة بها تقوم بتدريب العاملين فيها سواء كان ذلك في مواقع العمل أو خارج أوقاته وترتبط بنتائج هذا الشكل من التدريب بترقية العامل وزيادة الإنتاجية كما ذكرت، أما الحكومات فقد لجأت إلى تأسيس مراكز تدريبية وتأخذ هذه المراكز أشكالا متعددة منها ما يتعلق بالتدريب فقط ومنها ما يرتبط بالتدريب والتشغيل وتبدأ مراحل التدريب ورفع الكفاءة عمليا من مراحل دراسية أولية وتصل إلى مراحل جامعية متقدمة.
عمليا يختلف دور النقابات العمالية في برامج رفع الكفاءة ما بين دولة وأخرى وبتعبير آخر ما بين الدول التي تطورت الحركة النقابية فيها ووصلت إلى قدر معين من القوة وبين الدول التي لا تزال الحركة النقابية العمالية تعمل فيها من أجل تثبيت أقدامها وزيادة دورها في المجتمع، وفي الدول الأوروبية المتقدمة ذات الحركة النقابية القوية فإن التدريب لرفع الكفاءة سواء كان في مرحلة ما قبل الالتحاق بالعمل أو بعد ذلك مرتبط ارتباطا وثيقا بالنقابات والاتحادات العمالية وهذه الاتحادات تشرف وتشارك في إدارة وتسيير وحتى ملكية مراكز التدريب وفي أغلب الحالات فإن الأعباء المالية المتبقية تقع على صاحب أصحاب العمل في الوقت الذي تقوم به النقابات العمالية بتسيير وإدارة هذه المراكز والمؤسسات التعليمية وقد وصل دور مثل هذه المراكز والمؤسسات التدريبية مختلفة الأشكال إلى درجة أصبحت شهاداتها وأصبح الخريجون منها معتمدون تماما باعتبارهم خريجين مؤهلين يحملون شهادات علمية معترف بها (هولندا والمانيا).
أما في الدول النامية حيث دور النقابات العمالية لا يزال متواضعا فإن هذا الدور يفتقر إلى المشاركة في مجالس الإدارة والهيئات المشرفة على مؤسسات التدريب والتعليم وغالبا ما تكون هذه المشاركة مشاركة رمزية من خلال ممثل واحد في مجلس يضم العديد من الممثلين وغالبيتهم من ممثلي الحكومة وعمليا فإن التمويل المالي لمثل هذه المراكز غالبا ما يكون تمويلا حكوميا وكمثال على ذلك في الأردن مؤسسة الترديب المهني وصندوق التدريب والتشغيل والشركة الوطنية للتشغيل، وقد حاولت الحكومة الأردنية إشراك أصاب الأعمال في تحمل جزء من أعباء التدريب والتشغيل من خلال اقتطاع نسبة 1% من أرباح المؤسسات الخاصة وتحويلها إلى صندوق خاص ويشارك الاتحاد العام لنقابات العمال عمليا في عضوية مجالس الإدارة في غالبية المؤسسات ذات العلاقة بالتدريب إلا أن ذلك لا يعني أن لهم دورا هاما في هذه العملية.
الخلاصة:-
يعتبر العمال ومنظماتهم مادة الثقافة العمالية وهدفها الرئيسس وهم المستفيدون الأساسيون من كافة أشكالها وبذلك فالعلاقة بينهما علاقة عضوية.

بالإضافة للعمال تعتبر الثقافة العمالية مهمة لكافة أطراف الإنتاج وتتداخل أهدافها ومفاهيمها بشكل يجعل منها مهمة وطنية وعالمية.

بسبب تزايد دور الثقافة العمالية وأهميتها تشارك أطراف عديدة في تطويرها ودعمها ومن هذه الأطراف الجامعات والمؤسسات التعليمية على المستويات الوطنية والعالمية.

لعبت منظمة العمل الدولية دورا هاما في تثبيت دعائم الثقافة العمالية وتحديد مفاهيمها وتلعب منظمة العمل العربية نفس هذا الدور منذ تأسيسها.

لا تزال قضية تدعيم دور النقابات في رفع الكفاءة المهنية وإيصالها إلى المستوى المطلوب في بداية الطريق وذلك لأسباب مختلفة تتعلق بالظروف الخاصة بكل بلد وبظروف مختلفة في مختلف أنحاء العالم.

تزايد دور المنظمات المتخصصة في رفع الكفاءة المهنية للعمال وبشكل خاص بعد الخصخصة وتحجيم دور القطاع العام وترسخ مبادئ حرية التجارة.

ينحصر دور أصحاب العمل في غالبية دول العالم في الدعم المالي لمشاريع الثقافة العمالية وفي تطبيق القانون في جوانب معينة مثل منح الإجازة الدراسية مدفوعة الأجر على أن دورهم بات مهما في رفع الكفاءة المهنية للعمال ويطرح ذلك قضية هامة وهي زيادة مشاركة أصحاب العمل في تطوير الثقافة العمالية من خلال زيادة الدعم المقدم وبناء المؤسسات الخاصة بهم لتطوير الثقافة العاملية وزيادة الصلة بين الثقافة العمالية وبرامج الترديب المهني والصحة والسلامة المهنية الخاصة بهذه المؤسسات.

تزايد دور وأهمية اقتصاد العمل كفرع مستقل من فروع علم الاقتصاد وبسبب العلاقة المباشرة بين هذا الفرع والثقافة العمالية بشكل خاص والمتغيرات الاقتصادية الهامة في حياة العمال فإن تأسيس وتطوير الأقسام المهتمة بهذا الفرع في النقابات والاتحادات النقابية والمهنية أصبح مهمة ملحة لتمكين هذه النقابات من مواكبة التطور الحاصل والتمكن من تحقيق مهماتها بنجاح.

يتطلب تدعيم الثقافة العمالية وزيادة الكفاءة المهنية للعمال على مستوى الدول تعديل التشريع أو اتخاذ القرارات المناسبة بشكل يضمن التمويل اللازم لذلك في كل دولة وزيادة إمكانيات المنظمات الإقليمية والعمالية المتخصصة من خلال التعاون مع النقابات والاتحادات العمالية المختلفة.

تزايد أهمية العمل على تحقيق الصيغة المناسبة لزيادة مشاركة المنظمات النقابية في وضع وتخطيط البرامج الثقافية وبرامج التدريب المهني على مستوى الدول والنقابات والاتحادات والمؤسسات المختلفة.

تزايد ضرورة العمل المستمر من أجل الوصول إلى وجود منظمات تمثل أطراف الإنتاج الرئيسية في كافة دول العالم باعتبار ذلك شرطا أساسيا لتحقيق التعاون ليس في مجال الثقافة العمالية فقط بل في كافة الجوانب المتعلقة بالعمال ودورهم في عملية الإنتاج.

تزايد أهمية استمرار العمل من أجل أن تسود في كافة دول العالم التشريعات الخاصة بالتعليم الإلزامي لمرحلة معينة وتعليم الكبار بالنسبة لمن أنهوا الدراسة الإزامية.

Advertisements