لا أعتقد بأنه لأحد الحق في الإدعاء بأن فكرة تأسيس الإتحاد الإسلامي الدولي للعمل ، هي فكرته ، وأنه هو صاحبها ، وهو صاحب حق التصرف فيها ، فهذه الفكرة محفوظة الحق لصاحبها ومطلقها والعامل عليها المفكر والباحث العمالي الإسلامي المصري جمال البنا رحمه الله ، وهو شقيق مؤسس حركة الأخوان المسلمين في مصر .
فمنذ العام 1981 وهو يعمل على أن تكون فكرته هذه حقيقة واقعة . وأن يرى تأسيس هذا الإتحاد النور وهو على قيد الحياة . وكان قد كتب فيها الكثير من الإصدارات التي تملأ أدراج مكتبته الخاصة الكائنة في باب اللوق بالقاهرة القديمة تحت عنوان ” الإتحاد الإسلامي الدولي للعمل ” حتى قبل أن يرى هذا الإتحاد النور .
وعلى رغم أن الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل تأسس سنة 1981، فإن مؤتمره العام الأول لم ينعقد إلا في حزيران يونيو من العام 1999 أي بعد 18 عاماً من مؤتمره التأسيسي.
” واثأر المؤتمر العام الذي تزامن انعقاده في جنيف مع انعقاد المؤتمر السنوي لمنظمة العمل الدولية ، أزمة كبيرة ما زالت تداعياتها مستمرة إذ اتخذت بعض الهيئات العمالية العالمية والعربية منه موقفاً عدائياً، بل وحرضت على مقاطعته، ثم اصدر بعضها بيانات تهاجم فكرته ومؤسسيه “.
وكان الإتحاد الدولي للنقابات الحرة من أشد المعارضين له على الصعيد العالمي ، حتى أنه شن حملة شعواء ضده ، وحرض المنظمات النقابية المشاركة في تلك الدورة من أعمال مؤتمر العمل الدولي على منع مندوبيه من الدخول لقاعة المؤتمر . أما على الصعيد العربي فقد واجه هذا الإتحاد معارضة شرسة من قبل المرحوم حسن جمام الأمين العام الأسبق للإتحاد الدولي لنقابات العمال العرب ، الذي هدد بمقاطعة أي منظمة تنتمي إليه ، وإن كان قد تراجع في وقت لاحق وسمح بإقامة بعض العلاقات المحدودة معه .
ويقول الدكتور سعيد خالد الحسن ، الذي انتخب في المؤتمر الأول الذي انعقد في جنيف أمينا عاما للاتحاد ، وهو ابن المناضل الفلسطيني خالد الحسن عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية رحمه الله ، وهو أستاذ جامعي بجامعة الملك محمد الخامس بالرباط بالمملكة المغربية ، في حديث اجرته معه صحيفة الحياة اللندنية في تشرين أول أكتوبر 1999 بأن هذا الاتحاد تأسس في عام 1981 من منظمات وهيئات نقابية وعمالية من خمس دول إسلامية هي: باكستان وبنغلاديش والأردن والمغرب والسودان وكان من المفترض ان تشارك نقابة عمال البنوك ممثلة عن مصر أيضا، لكن لظروف معينة لم تحضر المؤتمر التأسيسي للاتحاد فاقتصر على خمس دول فقط وتم انتخاب المفكر العمالي المصري جمال البنا رئيساً للاتحاد باعتباره صاحب الفكرة والمؤسس الحقيقي وصاحب الإسهامات البارزة في الفكر النقابي والعمالي. واستمر نشاط الاتحاد منذ تأسيسه والى الآن وزادت الهيئات والمنظمات المنضوية في عضويته حتى وصل تمثيل الدول فيه إلى 20 دولة.
ويضيف بأن ” طروحات الاتحاد حاضرة في كثير من البلدان الإسلامية في باكستان، ماليزيا، تركيا، الجزائر، المغرب، وحتى في إيران، وتتجسد أحيانا في إقبال كثير من الهيئات العمالية والنقابية على الانضمام إليه وطبع كتبه على نفقتها الخاصة حتى صارت مفاهيم الاتحاد وأفكاره حاضرة في الأدبيات العمالية في بلدان كثيرة بعضها خارج العالم الإسلامي، وبالطبع لا يشمل هذا الحضور كل الأوساط النقابية والعمالية ولكنه في ضوء حداثة تجربتنا وأفكارنا وطبيعة الإمكانات التي نعمل بها مطمئن خصوصاً وانه في تزايد مطرد.
ورغم أن الكثير من المنظمات العمالية والمراقبين في المجال النقابي انتابتهم الشكوك في أن هذا الاتحاد سوف يكون متأثرا بأفكار مؤسسه وانه سيظل تحت هيمنته الفكرية ، وأنه بعد 18 عاماً على تأسيسه لن يستقل فكريا ونظريا ولازال يعيش في جلباب مؤسسه جمال البنا ويرتدي عباءته الفكرية التي أشعلت معارك طاحنة في الأوساط الإسلامية. إلا أن الدكتور الحسن له رأي آخر يقول : أحب أن أميز بين أدبيات الاتحاد وبين أدبيات مؤسسه استأذنا جمال البنا، ولا شك في أن له الدور الرائد في صوغ أدبياته لكن ما يعني الاتحاد بين أدبيات البنا وفكره هو الجانب النقابي والعمالي فقط، وتحديداً ما يتبناه الاتحاد في هذا الجانب الملزم للاتحاد وأعضائه هو مواد دستوره الذي صاغه مؤسسوه بشكل جماعي. من جهة ثانية تبنى الاتحاد في مؤتمره الأخير نشر كتابات نقابية وعمالية أخرى غير كتابات البنا خصوصا في ما يتصل بدور المؤسسات التاريخية في مواجهة العجز الاجتماعي وضرورة تفعيلها، وفي جوانب عمالية أخرى مثل جامعة العمل والأمن المجتمعي. وهذا يعني أن الاتحاد صارت له قدرته الذاتية على إبداع مفاهيم جديدة وإنضاجها والبناء على الأسس التي وضعها مؤسسوه وعلى رأسهم جمال البنا . وبطبيعة الحال ، فأن الإتحاد غير ملزم بطروحات الأستاذ جمال البنا الفكرية الأخرى بصرف النظر عن موقفنا منها، كما أننا وأولنا في ذلك الأستاذ البنا، رفض إقحام الاتحاد في مجال اجتهادات فكرية خارج المجال النقابي .
ولكن رغم كل هذه الدفوعات فأن الاتحاد لم يستطع الخروج عن أفكار وتنظيرات مؤسسه والأب الروحي لأعضائه ، كما أن الأمين العام لم يستطع الخروج عن فلسطينيته ، ووظف الاتحاد بالكامل للقضية الفلسطينية السياسية ، ولم تكن له أي أنشطة عمالية تذكر ، حتى أن الندوة التي عقدها في كوالالمبور والأخرى التي عقدها في القاهرة كانت مكرسة لقضية القدس ، والندوتان كانتا بحضور كثيف لقيادات الأخوان المسلمين وحماس الفلسطينية بل وبدعم وتمويل منهم .
وفي هذا يقول الدكتور الحسن ” إن الاتحاد هيئة نقابية عمالية دولية ذات أهداف مطلبيه أساساً، ولا مانع من أن يتصل بهذه الأهداف مناصرة حركات التحرر الوطني، لأنها شرط أساسي لتوفير الظروف المناسبة لتحقيق الأهداف العمالية. تماما كما هي الحال في قضية فلسطين والقدس. فلا يمكن أن نتحدث عن أهداف القطاعات العاملة للشعب العربي الفلسطيني بكل طوائفه الدينية إذا لم نساعده في نيل حريته واستعادة أرضه وممارسة كل حقوقه، وهذا ما دفع الاتحاد في مؤتمره الأخير إلى التوصية بنصرة قضية القدس، ومن غير ذلك لا يجدي الحديث عن الهداف غير عمالية لأننا لا يمكن أن نتعامل مع قضية مطلبيه كالقضية العمالية خارج بيئتها ونسيجها الاجتماعي .
وكنتيجة لضعف موارد هذا الإتحاد ، وضعف منظماته الأعضاء ، والتباعد فيما بين قياداته ، حيث كان الرئيس في مصر ، ونائب الرئيس في السودان ، والأمين العام في المغرب ، وأعضاء الأمانة العامة موزعين في أصقاع الأرض ، وان الاجتماع فيما بينهم كأمانة تنفيذية يحتاج إلى مصروفات بالغة ، فأن الاتحاد لم يستطع أن يلبي لا طموحات مؤسسيه ولا منظماته الأعضاء . وهنا راودت الوزير الأخواني خالد الأزهري وزير القوى العاملة والهجرة في مصر أبان فترة حكم مرسي الفكرة في أحياء هذا الاتحاد وجعل مقره الرئيس في القاهرة وتوفير التمويل اللازم له ، بل وجعله قاعدة لتأسيس منظمة جديدة تحت اسم منظمة العمل الإسلامي على غرار منظمة العمل العربية ومنظمة العمل الدولية ، إلا أن الفكرة ماتت بعد دخول صاحبها للسجن في أعقاب ثورة يونيه في مصر .
واليوم ، نرى أن هذه الفكرة تبعث من جديد بدعم وتمويل من اتحاد حق أش التركي التابع لحزب العدالة والتنمية الذي يقوده الرئيس رجب طيب اردوغان ، وليس على أساس أحياء الإتحاد القائم ، وإنما بعث اتحاد جديد بنفس الاسم . الغريب أن من بين الحضور في مؤتمر تركيا منظمات نقابية عربية هي في قيادة الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل القائم ؟!!

Advertisements