تاريخياً كانت للحركات النقابية العالمية الدور الأساسي في قيادة معارضة مدنية ضد السياسات والبرامج الاقتصادية التي كانت وما تزال تنفذها الحكومات الرأسمالية والمعتمدة على شروط المنظمات النقدية والمالية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وفي عصر العولمة الاقتصادية قادت الحركات النقابية مع مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب وجماعات حماية البيئة والمرأة والأقليات معارضات جماهيرية ضخمة وصلت في بعضها بالملايين ضد المنتديات واللقاءات التي تقام للدول الصناعة الثمان ومنتدى دافوس واجتماعات منظمة التجارة العالمية.
ليس من السهل تحدي المؤسسات المالية الدولية التي تملك عشرات الخبراء والمستشارين ولديها موارد ضخمة وقدرة وتأثير على حكومات العالم، ورغم ذلك فاستمرار النضال والتحدي لسياسات هذه المنظمات أصبح أمراً ضرورياً في ظل اقتصاد عالمي سريع التأثير على الطبقات الفقيرة والعمال.
ومما تزيد صعوبة هذا التحدي وجود أنظمة محلية قمعية والتي تفرض تشريعات تمنع من حقوق النقابات في الضغط والإضراب والاحتجاجات.
ففي التقرير السنوي للإتحاد الدولي للنقابات الحرة الخاص بانتهاكات حقوق نقابات العمال يشير إلى أن أحد الأسباب الرئيسية في الزيادة المطردة في الانتهاكات هو استمرار خضوع العولمة الاقتصادية لأجندة ليبرالية جديدة، مما يلحق أذى شديداً بحقوق العمال، وان العديد من الحكومات التي ترغب في تأمين موطن قدم لها في الأسواق العالمية ترى أن النقابات العالمية تقف عقبه أمام تنميتها الاقتصادية.
النقابات العمالية تكشف فشل السياسات النيوليبرالية:
على الرغم من هذه التحديات والصعوبات إلا أن الحركة النقابية وحلفائها تمكنوا من أثبات فشل سياسات الحكومات التي نفذت برامج المنظمات المالية والنقدية العالمية، وكشفوا عن الأضرار الكبيرة لهذه السياسات على المجتمع، وأن نتائج هذه البرامج كانت المزيد من الفقر والمزيد من التراجع في النمو الاقتصادي، ومن خلال بيانات البنك الدولي نفسه أكدوا بأن خلال أكثر من عقد من التكيف الهيكلي للاقتصاد ارتفع عدد الذين يعيشون في فقر مدقع (أقل من دولار في اليوم) من 164 مليون في 1981 إلى 298 مليون في 2004، وذلك في الدول الأفريقية وجنوب الصحراء.
وتمكنت الحركة النقابية من تقديم مقارنات بين الدول التي التزمت ببرامج صندوق النقد الدولي وتلك التي رفضت الانصياع والتأثير المطلق للسياسات النيوليبرالية المتوحشة.
فأمريكا اللاتينية والكاريبي التي طبقت معظم دولها برامج التكييف الهيكلي الاقتصادي، ارتفع الناتج الاقتصادي الإجمالي بنسبه لا تتجاوز 3.2% بين الأعوام 1990 – 2006م في حين شهدت الدول النامية في منطقة شرق أسيا والباسفيك نموا سنويا بلغ 8.5% خلال الفترة نفسها وذلك بسبب رفضها بشكل كبير سياسات السوق الحرة الشاملة وبرامج المؤسسات المالية الدولية.
كما كشفت الحركة النقابية عن تفاصيل فشل هذه السياسات في كل دولة من الدول النامية، وكيف تمكنت بعض هذه الدول من إعادة العافية لاقتصادياتها بعد أن تحررت من برامج هذه المنظمات المالية والدولية كالأرجنتين التي تبنت برنامجاً راديكالياً للتكيف الهيكلي وتخصيص كل شيء بما في ذلك خدمة البريد الوطنية، ومع ذلك تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 21% بين الأعوام 1998 – 2002م، وبالتالي وقعت في أزمة اقتصادية حادة مارس صندوق النقد الدولي خيانة لهذا الحليف المطيع له حيث قطع أية فروض إضافية للأرجنتين مما اضطرت إلى وقف سداد دفعات القروض وفوائدها والتي وصلت إلى أكثر من 100 مليار من السندات الحكومية. 

وعندما تراجعت الأرجنتين عن تنفيذ هذه البرامج وقطعت صلاتها مع صندوق النقد الدولي في أواخر 2005م. تعافى اقتصادها بسرعة وارتفع معدل النمو الذي أصبح من بين الأعلى في دول أمريكا اللاتينية وقررت بالتالي دفع قروضها المستحقة.
الحركات النقابية تفرض التغيير على المؤسسات المالية:      
أمام هذه الضغوطات العمالية والمجتمع المدني وفضح أخطاء سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أقرت هذه المؤسسات بأن نموذج النمو المعتمد على السوق الحرة بشكل صرف ليس الخيار الأنسب دوماً.
وعندما أقدمت مئات الآلاف من العمال ومناصري مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب الديمقراطية بالتظاهرات والمسيرات، أعلن البنك والصندوق الدوليين بمنح إعفاءات من الدين، ووافقت على إلغاء مديونية الدول الفقيرة بحلول عام 2008م وذلك بعد نجاح الحملة الأممية الخاصة (بالنداء العالمي لمكافحة الفقر).
بل أن صندوق النقد الدولي وافق على تنظيم حوارات مع النقابات العمالية القوية في بعض الدول للوصول إلى قرارات مشتركة وذلك بعد أن نفذت هذه النقابات عمليات تعبئة جماهيرية واسعة والتوقف عن العمل في كافة أرجاء البلد أو ممارسة تكتيكات ضاغطة كالتوقف عن العمل عدة ساعات محددة.
تشير الدراسة التي اعتمدنا عليها بأن “في التعامل مع المؤسسات المالية الدولية، ستجد النقابات أن المواجهة ضرورية في بعض الحالات، في حين قد يكون الحوار البناء الذي يؤدي إلى تغيير له مغزى وهو أمر ممكن في حالات أخرى”.
أن النقابات العمالية العالمية تؤمن بأهمية عدم تجاهل سياسات المنظمات الاقتصادية والتجارية والمالية العالمية بما فيها اتفاقيات التجارة الحرة واتفاقيات التعاون الاستثماري والتجاري الثنائي، وتؤمن بأن التركيز يجب أن لا ينحصر فقط على القضايا المحلية، حيث العولمة الراهنة قد خلقت ترابطاً بين القضايا المحلية والاقتصاد العالمي وأن فهم هذه السياسات والتفاعل معها والتعبئة العمالية والتوعية بشأنها يؤدي إلى دور حاسم في حشد أعضاء النقابات والمحافظة على تنظيم عمالي قوى.
كيف استجابت المؤسسات المالية الدولية للضغوطات العمالية؟
هناك العشرات من الحالات الناجحة في العالم لنجاح الضغوطات العمالية في التراجع عن تنفيذ برامج التخصيص لبعض القطاعات والمرافق، وفي دراسة قيمة بعنوان “تحدي المؤسسات المالية الدولية، حالات دراسية ناجحة لمقاومة نقابات العمال وبدائل لسياسات المؤسسات المالية الدولية “والتي صدرت عام 2006م من الإتحاد الدولي للنقابات الحرة والشبكة العالمية للأبحاث النقابية، تكشف عن مدى الآليات والوسائل التي نفذتها الحركات النقابية العمالية في دولها وتمكنت من خلق مفاوضات ليس فقط مع حكوماتها بل ومع ممثلي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
منذ عام 2000م وخلال اجتماع هاتين المنظمتين الماليتين مع قادة نقابيين وعدتا العمال بأن تستشير النقابات بطريقة منهجية حول السياسات على مستوى الدول، وفي عام 2002م تمكنت المجموعات النقابية العالمية كالإتحاد الدولي للنقابات الحرة والاتحاد العالمي للعمال من إقناع هاتين المؤسستين على الموافقة على آلية لمراقبه تطبيق الالتزامات التي قطعتها المؤسسات المالية الدولية.
وفي عام 2002م صادق البنك الدولي على معايير العمل الأساسية (إعلان المبادئ)، وفي عام 2004م بدأ تبنى احترام معايير العمل الأساسية شرطاً لكل القروض التي تقدمها المؤسسة الدولية للتمويل وهي ذراع البنك الدولي لإقراض القطاع الخاص. وهذا يعني أن على أية منشأة خاصة أن تحترم هذه المبادئ ومنها حق التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية والمساواة وعدم التمييز في العمل.
ما العمل بحرينياً؟
أمام الحركة النقابية البحرينية تحديات كبيرة ومنها كيف تستطيع وتتمكن من خلق كوادر متخصصة تتابع الاتفاقيات الاقتصادية وتنخرط في آليات المتابعة في المنظمات الاقتصادية العالمية.
فهناك زيارات دورية لصندوق النقد الدولي حسب المادة (4) الخاصة بمذكرة الاتفاق بين الصندوق والدول الأعضاء، والتي تشمل الزيارات الدورية والإشراف على انصياع كل دولة عضو بالتزاماتها التي يقدمها وزير المالية ومحافظ البنك المركزي للمدير الإداري للصندوق على شكل مذكرة السياسات الاقتصادية وخطاب تفاهم.
ورغم أن المادة (4) تركز على ترتيبات معدلات الصرف إلا أن الصندوق يستخدمها لمتابعة مواضيع أخرى منها:
ـ خصخصة المشاريع التي تملكها الدولة.
ـ وقف الدعم لسلع استهلاكية أساسية.
ـ إلغاء الحواجز أمام التجارة.
ـ تفكيك القيود على رأس المال الأجنبي.
ـ تقليل الإعانات من مخططات التقاعد العامة أو تأمين البطالة.
ـ مرونة سوق العمل.
وفي هذه المقام من المفيد للحركة النقابية البحرينية المطالبة بالالتقاء بفريق البعثة لتوصيل مرئيات الحركة النقابية وتبيان مقاصد الصندوق المتعلقة بالسياسة الاقتصادية والاجتماعية الوطنية.
وعلى صعيد اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية فهناك نصوص واضحة في الاتفاقية تؤكد على التزام الطرفين بمعايير العمل الدولية والمبادئ الأساسية، ولذلك فإن متابعة آليات تنفيذ الاتفاقية والاجتماعات الدورية التي تعقد لابد من المطالبة بوجود مشاركة عمالية في المحاور ذات العلاقة بالعمال..
وكذا الحال بالنسبة لمنظمة التجارة العالمية التي تحتاج حقاً إلى متخصصين من الكادر النقابي يتابع التعقيدات التنظيمية وآليات الدعاوى وحل النزاعات ومتابعة التزام الدول الأعضاء بمعايير العمل الأساسية.
إن عقد الاجتماعات العامة والفعاليات الجماهيرية لاستعراض سياسات وبرامج هذه المنظمات الاقتصادية وتأثيراتها على العمال وذوي الدخل المحدود لهو خطوة ضرورية سوف تساهم في المزيد من الوعي والمزيد من التعاطف مع الحركة النقابية والمزيد من الأنصار وتعزيز دور النقابات والمزيد بالتالي من الضغط والتأثير على هذه السياسات.إنها مهمة عمالية تتكامل مع المهمات العمالية المتعلقة بالوضع المحلي، بل والمرتبطة بها، خاصة وأن كثرة من السياسات الاقتصادية المحلية تسير في اتجاه التخصيص وتحرير الأسواق وإلغاء القيود على التنافسية الخارجية للصناعات الوطنية، وهي سياسات لا تبتعد عن مضمون وأهداف هذه المنظمات الاقتصادية والمالية العالمية، ولها تأثيرات عظيمة على راهن ومستقبل حياة ومستوى المعيشة للمواطنين عامة والكادحين على وجه الخصوص.

Advertisements