عندما أعلن الرئيس الأسبق جورج بوش مخطط الشرق الأوسط الجديد القائم على فكرة اعادة تقسيم دول منطقة الشرق الأوسط على أسس عرقية وطائفية ومذهبية وسياسية، وذلك بأسلوب الفوضى الخلاقة الذي كشفت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس، على أن تكون تنظيمات الإسلام السياسي هى وسائل تنفيذ هذا المخطط، وهو ما أكدته وأثبتته الأحداث التي وقعت بعد ذلك طوال الأربع سنوات الماضية وحتى اليوم، وأدت الى احداث ليس تغييرا فقط في خريطة الشرق الأوسط، ولكن – وهو الأخطر – أدت الى اعمال فوضى وتخريب وعنف.. بل وحروب أهلية انتهكت فيها حرمات الشعوب العربية والإسلامية من أرواح ودماء وممتلكات عامة وخاصة، ومن ثم فإن ادارة أوباما تثبت من خلال هذه الوثيقة أنها سائرة في تنفيذ هذا المخطط بكامل أهدافه وأبعاده، لاسيما أنه صادق نجاحات في عدة دول عربية.. مثل العراق وليبيا وسوريا واليمن والصومال ولبنان والسودان.. لم يبق أمام استكمال تنفيذ هذا المخطط سوى مصر التي قاومت هذا المخطط ورفضت تنفيذه على أرضها، وهو ما أدى الى احداث نكسة في مسيرة تنفيذه، وتوقفه عند أبواب مصر الذي اعتبر المخطط أن نجاحه فيها بمثابة «الجائزة الكبرى»، حيث لن تستطيع أي دولة بعد سقوط مصر – لا قدر الله – أن تقاوم تنفيذ المخطط على أرضها، بل ستسقط وبسرعة في براثنه وبكلفة باهظة.
وليس بخافٍ علي أحد أن نجاح أمريكا في تنفيذ وثيقة الثورات الملونة، وبما يؤدي الى تغيير الأنظمة الحاكمة في دول الشرق الأوسط، سيصب في مجري تقوية وتعزيز المصالح والأهداف الامريكية على حساب مصالح وأمن واستقرار واستقلال ووحدة اراضي دول المنطقة.

نص الوثيقة
– تسعى ادارة أوباما لتنفيذ سياسة الدعم السري لجماعة الاخوان المسلمين وحركات التمرد الاخرى في الشرق الأوسط منذ عام 2010 وقد حصلت وحدة أبحاث الشرق الأوسط MEB على وثيقة من وزارة الخارجية الأمريكية صدرت مؤخراً من خلال قانون حرية المعلومات، تؤكد قيام ادارة أوباما بشن حملة استباقية لتغيير الأنظمة الحاكمة في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
– فقد حددت وثيقة صدرت في 22 أكتوبر 2010 عن هذه الادارة بعنوان «مبادرة الشراكة الشرق أوسطية – نظرة عامة، هيكل متطور من وضع برامج وزارة الخارجية الأمريكية تهدف بشكل مباشر الى بناء منظمات المجتمع المدني» – لاسيما المنظمات غير الحكومية – لتغيير السياسة الداخلية في البلدان المستهدفة لصالح السياسة الخارجية الامريكية وأهداف الأمن القومي الأمريكي.
وتقع الوثيقة في خمس صفحات، ورغم اعتمادها اللغة الدبلوماسية، الا أنها لم تستطع أن تخفي حقيقة الهدف الأمريكي في تعزيز سرعة التحول والتغيير السياسي في البلدان المستهدفة.
– وتقول الوثيقة: «تعتبر مبادرة الشراكة الشرق أوسطية MEPI برنامجاً اقليمياً يمكن المواطنين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من وضع سياسي أكثر تعددية وتشاركية ومجتمعات مزدهرة وكما تشير الأرقام الواردة في هذه النظرة العامة.. أن مبادرة الشراكة الشرق أوسطية MEPI تطورت من أصولها التي وضعت في عام 2002 بشكل مرن، حيث صارت على مستوى المنطقة أداة دعم مباشر لمؤسسات المجتمع المدني الاصليين، واداة دعم مباشر لهذه المؤسسات على كل مساحة المنطقة، وبحيث يصب هذا الدعم مباشرة في المجتمع المدني الأصلي، وبما يخدم أعمال الدبلوماسية الأمريكية اليومية في المنطقة، ولذلك يندرج في مبادرة MEPI وتشارك جميع بلدان المنطقة باستثناء ايران.
– وفي سبع دول من بين ثماني عشرة بلداً وأراضي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا داخلة في اطار مهام وكالة المساعدات الأمريكية USAID، أظهرت المناقشات والاتصالات التي أجريت بين مبادرة الشراكة MEPI ووكالة المساعدات USAID في واشنطن، كما أكدت جهود البرمجة والتكامل بين الجهتين.
– وفي قسم من الوثيقة تحت عنوان «كيف تعمل مبادرة الشراكة MEPI» تم تحديد ثلاثة عناصر رئيسية للبرنامج وهى: (1) البرامج ذات الدول المتعددة، (2) المنح المحلية (3) المشاريع الخاصة بكل دولة، وقد تم وصف أهداف البرامج على مستوى كل المنطقة وكل بلدانها المتعددة على النحو التالي: «بناء شبكات عمل من الاصلاحيين لتعليم الآخرين وليشد بعضهم بعضا، وبما يؤدي الى تحفيز التغيير التدريجي في المنطقة»، كما توفر المنح المالية المحلية دعماً مباشراً لمنظمات المجتمع المدني، التي تمثل حالياً أكثر من نصف مشاريع مبادرة الشراكة الشرق أوسطية.
– وتحت الجانب الخاص بكل بلد في البرنامج، تقوم كل سفارة للولايات المتحدة بتعيين موظفين من السفارة مسئولين عن ادارة عمليات التمويل، والعمل كضباط اتصال مباشرين مع مختلف المنظمات غير الحكومية ومجموعات المجتمع المدني التي يتم تمويلها من أمريكا، أما المشاريع الخاصة بكل بلد، فإنه تم تحديدها في استجابة للتطورات والاحتياجات المحلية على النحو الذي تراه سفاراتنا والاصلاحيون المحليون التابعين لنا، وطبقاً لتحليلاتنا الميدانية لكل مجال خارجي، وقد تؤدي التطورات السياسية في البلاد الى بروز فرص جديدة في صالح الولايات المتحدة، أو تحديات لأهداف السياسة الأمريكية، هنا يجب أن تكون مبادرة الشراكة MEPI جاهزة لتحويل الأموال بما يتلاءم وهذه التطورات واضعة في الاعتبار المصالح العليا للولايات المتحدة.
– ووفقاً لوثيقة أكتوبر 2010 فان نائب رئيس البعثة DCM في كل سفارة للولايات المتحدة في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يعتبر المسئول عن برنامج مبادرة الشراكة الشرق أوسطية MEPI، على أن يعطيها أولوية مطلقة في اهتماماته، ولقد أظهرت الوثيقة بوضوح أن مبادرة الشراكة الشرق أوسطية غير منسقة مع الحكومات المضيفة، حيث تعمل مبادرة الشراكة MEPI في المقام الأول مع منظمات المجتمع المدني من خلال منظمات غير حكومية مقرها في الولايات المتحدة ولها مكاتبها في المنطقة، ولا توفر مبادرة الشراكة الشرق أوسطية أية أموال لحكومات أجنبية كما لا تتفاوض على تقديم مساعدات ثنائية، وطبقاً للبرنامج الاقليمي فانه يمكن لمبادرة الشراكة MEPI تحويل الأموال عبر البلدان، والى مناطق ساخنة أخري طبقا للحاجة.
– وتبين لنا الوثيقة بوضوح أنه في وقت مبكر من عام 2010 ثم اعطاء أولوية خاصة لبلدان اليمن والسعودية وتونس ومصر والبحرين، وقد تواجدت قيادات مشروع MEPI في مقابلها في أبوظبي وتونس ومنها كان يجري التنسيق شاملاً مع مراكز أخرى للبرنامج متواجدة في باقي دول المنطقة تم انشاؤها في غضون سنة، وأضيفت اليها ليبيا وسوريا على أن تعطي أولوية في منح المساعدات لمنظمات المجتمع المدني في هذه الدول.
وقد تم الافراج عن وثيقة وزارة الخارجية كجزء من دعوى بموجب قانون حريات المعلومات الذي يرتكز على التوجيه الرئاسي «دراسة رقم 11» والتي لاتزال سرية ولم تصدر بعد للجمهور الأمريكي، وطبقاً لمصادر MEB، فقد أوضح التوجيه الرئاسي PSD-11 لادارة أوباما أنها تخطط لدعم جماعة الاخوان الإسلامية، ومنظمات الإسلام السياسي.. والحركات الأخرى المتحالفة معها، وحيث تعتقد ادارة أوباما أن هذه الجماعات والحركات الإسلامية توافقية تماما مع أهداف السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة.
– ويتم توجيه مبادرة الشراكة الاستراتيجية MEPI حالياً من قبل بول سانقين، الذي كان يشغل في السابق القنصل الامريكي العام في اربيل بالعراق، وحالياً يدير مكتب اسرائيل والشئون الفلسطينية في مكتب وزارة الخارجية لشئون الشرق الأدنى، اما نائبه فهى كاترين بورجوا التي تم تعيينها في فبراير 2009 في مبادرة الشراكة MEPI كرئيس شعبة السياسات والبرمجة، وقد ضمت لها مهام وزارة الخارجية الماضية فيما يتعلق بتطوير تقنية المعلومات في تعزيز أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، وقد قام اثنان من كبار مسئولي وزارة الخارجية بالاشتراك في تطوير وتوسيع برنامج الشراكة MEPI 11 أكتوبر 2010 موضحة امكانية تحولها الى قوة تغيير الأنظمة الحاكمة.
– ويعتبر Tomicah S.Tellemann كبير مستشاري المجتمع المدني والديمقراطيات الناشئة، وكانت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية السابقة التي قامت بتعيينه في أكتوبر 2010، وهو لايزال في هذا المنصب في عهد وزير الخارجية الحالي جون كيري.. وهو المؤسس لمؤسسة لانتوس لحقوق الانسان والعدالة، وهى منظمة غير حكومية تعتبر Tillemann جدها المؤسس، وعضو الكونجرس الأمريكي السابق توم لانتوس.
وفي سبتمبر 2011 تم تعيين السفير ويليام تايلور لرئاسة المكتب الخاص الذي انشئ خصيصاً كمنسق خاص للتحولات التي خططت الادارة الامريكية لحدوثها في بلدان الشرق الأوسط، وكان قد شغل من قبل سفير الولايات المتحدة في أوكرانيا خلال «الثورة البرتقالية» 2006 – 2009، ووفقاً لوثيقة وزارة الخارجية فإن مكتب المنسق الخاص للتحولات المتوقعة في منطقة الشرق الأوسط «D/MET» الذي أنشئ في سبتمبر 2011، تعتبر مهمته الرئيسية تنسيق تقديم مساعدات حكومة الولايات المتحدة للديمقراطيات الوليدة الناشئة عن الثورات الشعبية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا «MENA» إن مكتب المنسق الخاص للتحولات في بلدان الشرق الأوسط ينفذ استراتيجية مشتركة بين الوكالات المنسقة لدعم دول المنطقة الجاري فيها تحولات ثورية، وتمر بمرحلة انتقالية نحو الديمقراطية.. وحالياً مصر، وتونس، وليبيا.
– كامل وثائق وزارة الخارجية الأمريكية تم طرحها حسب قانون حرية المعلومات، وستكون متاحة قريباً كجزء من تقرير MEB، والجاري اعداده حالياً كبرنامج لتغيير الأنظمة وأثاره على المنطقة، وللحصول على مزيد من التفاصيل عن هذا التقرير، تحقق من موقع MEB.

رؤية تحليلية
– هكذا تثبت الأيام والوثائق التي تصدر عن جهات صنع القرار في الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، أن أهداف الادارات الأمريكية المتتالية منذ عام 2003 ومخططاتها وسياستها وأداءها لتنفيذ أهداف الهيمنة على المنطقة تتمثل في تكريس الانقسام والتجزئة العرقية والطائفية والمذهبية القائمة، وبما يؤدي الى نشوب صراعات دموية وحروب أهلية تؤدي في النهاية الى انهاك شعوب وجيوش المنطقة وسقوطها ضحايا في براثن الولايات المتحدة تستجدي تدخلها لوضع حد لحالة التفكك والاقتتال الداخلي وايقاف حالة الانهيار التي تعانيها المجتمعات العربية والإسلامية، ويعني في النهاية بسط الهيمنة الامريكية على المجتمعات العربية التي سيعاد تشكيلها في شكل دويلات صغيرة نوعية، كما تثبت هذه الوثيقة التي نحن بصددها مدى حرص الولايات المتحدة على الرهان على جماعة الاخوان المسلمين وحلفائها من منظمات الإسلام السياسي، الى جانب منظمات المجتمع المدني التي تمولها الولايات عبر موظفي مبادرة الشراكة الشرق أوسطية MEPI المتواجد ممثلون لها في كل سفارة أمريكية بدول المنطقة، وأن هؤلاء الموظفين هم الذين يعطون التكليفات لإثارة الاضطرابات وأعمال العنف والفوضى وبما يحقق الأهداف الأمريكية في إسقاط الأنظمة الحاكمة في بلدان المنطقة، واستبدالها بأنظمة تابعة للولايات المتحدة تم تدريب عناصرها وتمويلهم في المؤسسات الأمريكية «فريدم هاوس» و«أمتيور» في صربيا و«أكاديمية التغيير» في لندن ثم في الدوحة.
– ورغم سقوط نظام حكم الإخوان في مصر وتونس وتصنيفها جماعة ارهابية في معظم دول الخليج وروسيا وعدد من دول أوروبا، ومحاصرة أنشطتها في هذه الدول، الا أن ادارة أوباما في واشنطن لا تزال تراهن على هذا الحصان الخاسر، معتقدة أنه بإمكان جماعة الاخوان وحلفائها أن يستعيدوا مواقعهم التي خسروها في مصر منذ ثورة 30 يونية التي اثبتت رفض الشعب المصري لهذه الجماعة، وأنه بعودة الاخوان للحكم في مصر – أو حتى المشاركة فيه مع القوى السياسية المعارضة لها، يمكن أن تستعيد مواقعها في باقي بلدان الشرق الأوسط، ومن هنا يمكن أن نفهم الضغوط الأمريكية التي تمارس ضد مصر ودول الخليج العربية للتخلي عن دعم مصر سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، بل وقطع المساعدات العسكرية الأمريكية عن مصر «1.3 مليار دولار» استجابة لطلب جماعة الإخوان وحركة 6 أبريل، وقد مارس الرئيس الأمريكي أوباما بنفسه خلال زيارته الأخيرة للسعودية للتعزية في وفاة الملك الراحل عبدالله، ضغوطاً على القيادة السعودية الجديدة للتخلي عن مصر، والانضواء تحت سياسة الولايات المتحدة التي تحبذ اشراك جماعة الإخوان في حكم مصر، ودعم منظمات الإسلام السياسي في دول الخليج، وهو ما لم تستجب له القيادات الخليجية، وأكدت لمصر موقفها الثابت السابق في تعزيز جهود مصر ضد منظمات الارهاب المتأسلم.
– كما أحبطت اتصالات الرئيس السيسي مع زعماء دول الخليج التي أجراها أخيراً مخططات الاخوان لافساد علاقات مصر مع السعودية والامارات والكويت والبحرين، حيث أكدت أن دعمها لمصر مستمر ولن يتغير لأنها «صمام أمان» الوطن العربي.
حيث لم تستطع وسائل الاعلام والدعاية الإخوانية أن تخفي فرحتها برحيل الملك عبدالله، واعتبرت أن العهد الجديد في السعودية الذي يقف على رأسه الملك سلمان بن عبدالعزيز سيغير توجهات السعودية نحو مصر، وبما يخدم أهداف ومصالح الاخوان، وهو نفس المفهوم الغبي الذي حمله معه أوباما من واشنطن الى الرياض، وثبت للطرفين فشله.. ورغم ذلك قام وفد مكتب ارشاد الإخوان بزيارة لوزارة الخارجية الأمريكية لتحريضها على اتباع سياسات ضد مصر تعرقل انعقاد المؤتمر الاقتصادي العالمي المخطط عقده في شرم الشيخ في مارس المقبل، وهى الزيارة التي أكدت الدور الأمريكي الداعم لجماعة الإخوان رغم الانتقادات الدولية العديدة التي وجهت للادارة الأمريكية بسبب استقبالها لوفد الإخوان بمقر الوزارة.
– ويجب ألا نندهش من ذهاب الإخوان إلي أمريكا، ذلك لأن الإخوان عملاء منذ نشأتهم، فقد كانوا حلفاء البريطانيين وصفت جماعتهم بالرعاية البريطانية، وفي شتاتهم في الستينات ذهبوا لكل أرض محرضين على الدولة المصرية، وشمتوا في هزيمة 1967، وبعضهم سجدوا لله شكراً، وهو ما لا يفعله الا كل خائن، فهم لا يعرفون الوطنية، لذلك لا غرابة أن يذهب الاخوان وأعضاء حركة 6 أبريل لأمريكا لحثها على فرض عقوبات على مصر وجيشها على وجه الخصوص، فهم الذين هللوا وكبروا في اعتصام رابعة الدموي عندما سمعوا عن اقتراب سفينة أمريكية من السواحل المصرية، وهم الذين وافقوا على المشروع الاسرائيلي – الأمريكي – الحمساوي «جيورا آيلاند» لمنح حماس 750 كيلومتراً مربعاً من شمال سيناء لتنضم الى قطاع غزة لإقامة غزة الكبرى – مقر الدولة الفلسطينية – مع استعادة المملكة الاردنية الضفة الغربية، وبذلك يتم تفريغ الصراع العربي – الاسرائيلي من فحواه، خاصة مع ابقاء المسجد الاقصى تحت سيطرة اسرائيل – ولم يكن مغزى الولايات المتحدة الزيارات المتعددة والمتبادلة بين قيادات أمريكية في الادارة والكونجرس وأجهزة صنع القرار الأمريكي – خاصة الاعلامية – مع ممثلين عن مكتب ارشاد الاخوان، سواء في مصر أو في الولايات المتحدة، لم يكن مغزى هذه الزيارات وبخافٍ عن أجهزة الأمن والمخابرات المصرية التي كانت ترصد كل تحركات كافة الاطراف، وما تشكله من تهديد للأمن القومي المصري فيما لو استمرت لما بعد يوليو 2013 لذلك سارعت قيادات الجيش بمساندة ودعم ثورة 30، والدعوة الى تفويض للقضاء على الارهاب في 26 يوليو، وهو ما استجابت له جماهير الشعب المصري في حماس أذهل العالم كله.
– وإذا تتبعنا تاريخ تسلل كوادر الإخوان الى مراكز صنع القرار في الدول الغربية، وهو تاريخ يرتبط بالضربات التي وجهها عبد الناصر للإخوان في عامي 1954 و1965 عندما حاولوا اغتياله مرتين، سنجد أن التنظيم الدولي للجماعة حرص على تجنيد كل من هاجر من الاخوان الى أمريكا أو الدول الأوروبية، وبعد أن استوطنوا هذه الدول وحصلوا على جنسياتها، بدأوا يؤسسون جمعيات ومنظمات في هذه البلاد للحصول على شرعية تواجدهم القانوني في مواطنهم الجديدة، وصعد نفوذهم من خلال تجمعات مارست النشاط السياسي والاقتصادي، ثم ارتبطت هذه التجمعات معا في تشكيل نوع من جماعة ضغط Lobby عُرف في أوروبا باسم مختصر FIOE مقره بروكسل، وتمثل في 26 منظمة للاخوان تنتشر مقارهم في دول أوروبية مختلفة.. مثل الجماعة الإسلامية في باكستان، وحزب الرفاة في تركيا، وكان المرشد الاسبق مصطفى مشهور قد اختار السوري حسن هويدي الذي كان يعيش في الاردن مبعوثاً يمثله في الخارج.
– وحين تعقدت ملامح المشهد عقب ثورة 25 يناير في مصر، بدأت مواقف بعض دول أوروبا لافتة للنظر، بسبب تأثير جماعات الضغط من وراء الكواليس، توقعت الحكومات الغربية أن الاخوان سيلعبون دوراً مهماً في النظام السياسي الذي أوشك أن يظهر في تونس ومصر باعتبارهم فصيل الإسلام السياسي الأكثر تنظيما وانتشاراً في بلدان المنطقة، وبدأت فعلاً ردود الأفعال تظهر في مؤسسات صنع القرار في الدول الأوروبية فضلاً عن أمريكا، حيث أعدت وزارة الخارجية الألمانية دراسة داخلية تتضمن استراتيجية الشراكة الحذرة مع الاخوان بهدف اعداد الاتحاد الأوروبي والرأي العام الأوروبي لاحتمال فوز الاخوان في انتخابات برلمانية قادمة في مصر عام 2012، وشعرت ألمانيا بأنها ستلعب دوراً رئيسياً في دول المنطقة التي توقعت أن تحدث بها تحولات داخلية.. خاصة تونس ومصر، وهو ما يتطلب صياغة سياسية جديدة تماما تجاه فصائل الإسلام السياسي، وبالتالي قبلت ألمانيا الدور السياسي الذي بدأ الاخوان يلعبونه بدءا من مسجد ميونيخ الذي سيطروا على إدارته منذ عام 1984، واختتمت الدراسة معلوماتها بأن تعامل الحكومة الألمانية مع الاخوان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيرتبط بأن يكونوا في مركز قوة في بعض دول المنطقة لا يمكن تجاهله، وبناء على شرط وحيد، هو ألا يكونوا معادين لإسرائيل، فقد انعكس هذا الموقف الألماني بوضوح في مساندة الحكومة الألمانية لحكومة الاخوان في مصر عام 2012، ورفضها دعم الثورات الشعبية في مصر في 30 يونيو 2013، والاتفاق مع امريكا في وصفها بانقلاب، ورفض طلب وزارة الداخلية المصرية الحصول على معدات شرطية لمكافحة الارهاب سبق أن تمت الموافقة عليها، فضلاً عن رفضها تصنيف الاخوان بالجماعة الارهابية، واستمرار نشاطها السياسي والاعلامي المعادي لمصر من داخل الأراضي الألمانية.
– ومع تطور الأحداث بعد وصول الاخوان الى الحكم، وثبوت فشلهم في ادارة دفته، وتعاونهم مع تنظيمات ارهابية تهدد الأمن الأوروبي – أبرزها القاعدة – مع استمرار بروز رفض الشعوب العربية لسيطرة الاخوان على الحكم في بلدانهم، وكانت ثورة 30 يونيو 2013 أبرز دليل على ذلك، بدأت الدول الغربية – وهى الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا – تدرك أنها لا تستطيع السيطرة على تطور الاحداث في العالم العربي، واضطرت لانتهاك موقف الانتظار لترى ما الذي سيحدث Sit and Wait حين أدركت أنها بلا قدرة فعلية للتحكم في مسار الأحداث، وبعد أن وعت الخديعة، وأنها أخطأت في تجاهلها للاعتبارات الداخلية بالغة القوة التي تقود العملية السياسية.
– وفي بريطانيا كشف المفكر البريطاني مارك كيرتس تفاصيل مثيرة في كتابه «مدخل الى العلاقة السرية، تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالي» صدر في عام 2012، عن معلومات موثقة عن الجوانب الخفية في علاقات التعاون بين جماعة الاخوان والأجهزة الأمنية في بريطانيا، واسهام بريطانيا في صعود التهديد الارهابي، والعمل جنبا الى جنب معها، مع توفير التمويل والتدريب لخدمة أهداف بريطانية محددة، وأن ذلك يتم بالتنسيق والتعاون مع الأجهزة الأمنية الأمريكية التي لها بدورها اتصالات مباشرة مع كوادر مهمة في مكتب ارشاد الاخوان، كما كشفت المعلومات عن أن بعض عناصر الاخوان في لندن يعملون كعملاء ومخبرين لأجهزة الأمن البريطانية ويتمتعون بحمايتها، رغم تورطهم في العمليات الارهابية التي وقعت في لندن عام 2005 بل ترفض بريطانيا تسليمهم الى بلادهم.
– وفي الولايات المتحدة كشف كتاب «القوة الخطرة» من تأليف نعوم شومسكي عن أسباب التلاقي بين امريكا وجماعة الإخوان في التخطيط التآمري لاجهاض ثورة 30 يونيو الشعبية في مصر، وتناقضات السياسة الخارجية الأمريكية في تناوله لنموذجين محددين، أولهما قضية الارهاب.. إذ يرى شومسكي أن الولايات المتحدة تعتبر دولة داعمة للارهاب بالنظر لاستمرار تواصلها ودعمها السياسي لجماعة الاخوان ورفض تصنيفها جماعة ارهابية رغم قيام معظم دول المنطقة وروسيا بتصنيفها كذلك، لكن هذا الرأي لا تتقبله ادارة أوباما، رغم أن معيار الارهاب عندهم هو «ما الذي يفعله الارهابيون بنا، واستبعاد ما الذي نفعله نحن بهم»، اما النموذج الثاني فيطرح فكرة تغيير الأنظمة في المنطقة وفقاً للمصالح الاستراتيجية الأمريكية، وهو التغيير الذي انطلق في عام 2011، وكان قد بدأ في عام 2003 بغزو العراق وتغيير نظام صدام حسين، وقد استدل شومسكي على ذلك عندما أشار الى زيارة أوباما لمصر في عام 2009، وأقوم على تصرف لم يسبقه اليه أي رئيس أمريكي، حين طلب من الرئيس مبارك دعوة اعضاء من جماعة الاخوان لحضور خطابه بجامعة القاهرة، والذي أعلن فيه أن أمريكا تخدم حق أصحاب الاصوات السليمة والملتزمة بالقانون في العالم وتستمع إليهم حتى ولو كنا نختلف معهم، ونبه الصحفي الأمريكي ديفيد ايجناتيوس في تعليقه بصحيفة واشنطن بوست إلى أن هذه العبارات تمت صياغتها للاشارة الى جماعة الإخوان بالتحديد.
– وبينما كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة – عقب مساندته لثورة 25 يناير 2011 – قد وضع جدولاً زمنياً للانتخابات، فإن الولايات المتحدة قد تراجعت الى خلفية المشهد، وواصلت التعامل مباشرة مع الاخوان، من أجل ايجاد مبادرات لقيام منظمات مجتمع مدني تؤسس لقيام أحزاب سياسية وللتأهيل السياسي لها، بحيث يكون من بينها وعلى رأسها حزب الحرية والعدالة الممثل لجماعة الإخوان، ودائما كانت اسرائيل الضلع الثالث في العلاقات الخفية في الشرق الأوسط والتي جمعت أجهزة المخابرات الأمريكية والناتو وممثلي منظمات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان، وقد كتب د. كريستوفر ليهمان المتخصص في تحليل ومتابعة التطورات الجيوبوليتيكية في الشرق الأوسط موضحاً لهذه الحلقة الثلاثية – وذلك في دراسة بعنوان «الانقلابات فيما بعد الحداثة» وصف فيها ما اعتبره اجندة صهيونية – حلف اطلنطية لتغيير النظام في دول المنطقة، وأشار فيها الى عمليات سرية تجمع الطرفين للقيام بتدخل عسكري معلن، وباستخدام تكتيكات القوة الناعمة، وأن شبكة من مراكز البحوث ممولة من الخارج وقفت وراء خطة زعزعة استقرار دول ذات سيادة، ولم يعد سراً أن الهدف النهائي من سياسة الأنظمة في الشرق الأوسط، هو استبدال الحكومة القائمة بنظام عميل client، وهو ما حدث عندما رحل ثلاثة رؤساء من تونس ومصر وليبيا، واستبدالهم بثلاثة رؤساء آخرين جدد تعاملوا مع الولايات المتحدة وحلفائها عام 2012 جميعهم محسوبون على الإسلام السياسي كان أحدهم محمد مرسي في مصر والغنوشي في تونس وأنصار السنة في ليبيا وعندما سقط نظام الاخوان في مصر وتونس صار حتميا على الولايات المتحدة أن تغير سياستها المعتمدة على جماعة الاخوان في الحفاظ على مصالحها وتحقيق أهدافها في المنطقة، الا أن الادارة الامريكية تحدت ارادة شعوب المنطقة الرافضة لنظم حكم الإسلام السياسي واستمرت واشنطن في رهانها الفاشل على الحصان الخاسر المتمثل في جماعة الاخوان باعتبارها اداتها الرئيسية لتحقيق الهدف السياسي الامريكي بعيد المدى وهو «الشرق أوسط الجديد».
– ووراء كواليس العلاقة بين الولايات المتحدة وجماعة الاخوان، تم رصد عدة ممارسات ذات دلالات قوية عن عمق الاعتمادية المتبادلة بين أمريكا وجماعة الاخوان، وأبرزت تحيزاً استثنائياً في معاملة الاخوان، كانت أبرز ملامحه إعفاء الاخوان من اجراءات الكشف الأمني بمطار كيندي الدولي في نيويورك، كذلك الاستقبال الحار الذي قوبل به الوفد الاخواني الذي زار أمريكا في 26 يناير الماضي في أعقاب العملية الارهابية في العريش والتي اعترف بها تنظيم بيت المقدس الارهابي المتحالف مع جماعة الاخوان، لذلك لم يكن غريباً أن تهلل وسائل اعلام الاخوان فرحاً وترحيباً وشماتة لهذه العملية الارهابية الخسيسة، وادعاء المتحدثة الامريكية أن الاستقبال تم بصفتهم اعضاء في حزب الحرية والعدالة، في حين أنها تعلم أن هذا الحزب تم حله في مصر بموجب حكم قضائي لكونه الذراع السياسية لجماعة الاخوان الارهابية، ثم التصريح المتأخر الذي صدر عن الخارجية الأمريكية وأدانت فيه بيان جماعة الاخوان الذي حرض على تفجيرات العريش قبل وقوعها بيومين، وفي دراسة للباحث الامريكي دريل مكين عنوانها: «صعود وسقوط الاخوان المسلمين»، نقل عن أحد المتظاهرين في ثورة 30 يونيو تجربة الاخوان في الحكم قائلا: «لقد كنا تحت احتلال من جانب الاخوان أسوأ من الاحتلال البريطاني»، وهو نفس المعنى والانقسام الذي أكدته صحيفة واشنطن بوست في 9 أكتوبر 2013 تعليقا على أغنية الفنان علي الحجار التي انتشرت في مصر، وتقول كلماتها تعبيراً عن العلاقة بين جماعة الاخوان والشعب المصري: «نحن شعب وأنتم شعب»، وهذا هو المعنى الذي فرضه حكم الاخوان على أنفسهم عندما حكموا مصر، حيث كانت أفكارهم وممارساتهم تعبر عن تنظيم وليس عن وطن.
– والخلاصة التي تكشفها لنا هذه المعلومات، أنها تضع أمامنا ازدواجية التواجد بين حكومات الغرب، وجماعة الاخوان وحلفائها من تنظيمات الإسلام السياسي، ففي الوقت الذي تنص فيه استراتيجية الامن القومي الامريكي الجديدة على وصف الارهاب بأكبر تهديد للبلاد، نجد تناقضاً واضحاً بين القول والممارسة عند حكومات الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة، حيث أدانت لفظيا الارهاب الذي تمارسه داعش في سوريا والعراق، وأعضاءها في القاعدة وتنظيم بيت المقدس في مصر، في حين لم يصدر عن هذه الحكومات الغربية ادانة واحدة لجماعة الاخوان باعتبارها المسئولة عن العمليات الارهابية التي تمارسها وتشجع عليها، بل وترعاها تدريبا وتنظيما وتسليحا وايواء ولكونها التنظيم الرئيسي الذي خرجت منه وتفرعت باقي الجماعات والحركات بالأحزاب التابعة للاسلام السياسي، ووضعت نفسها في خدمة تحقيق أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة.

undefined

وثيقة أمريكية

Advertisements