الحمامة البلجيكية التي ناحت قرب دمشق .. من الأولى بالدمع؟؟

—————————————

وأخيرا بكت موغيريني .. وفاض دمعها .. وتابعت بعينين جافتين انكسارها دون أن أحس أن دمعي سيفيض وأن قلبي سينقبض وكأن عيني من زجاج وقلبي من خشب .. لكني لاأزال أملك القدرة على قتل التشفي والغل والشماتة في نفسي وأملك القدرة على أن أغفر لمن لايغفر له اذا تطهّر بالألم .. لأنه لايدرك الألم الا من ذاق الألم .. ونحن نعرف طعم الألم الذي تذوقته موغيريني .. نأكله منذ خمس سنوات ونسكن معه في نفس الغرفة .. وننام معه في نفس الفراش وعلى نفس الوسادة .. نأكل معه .. ونشرب معه .. وندخن سكائرنا معه .. ونسافر معه .. ينهض معنا في كل صباح ويشرب القهوة المرة معنا .. نراه في المرايا .. ويقف على كل الأرصفة مثل الباعة الجوالين .. يركب معنا سياراتنا .. ونحمله على ظهورنا وفي حقائبنا .. نراه في حقائب الصغار المدرسية وفي المقابر وعلى أغصان الشجر .. وفي الغيوم .. ينبض في صدورنا ونتنفسه في الهواء ..
ونحن كنا وحدنا نذوق القهر والحزن فيما كانت أوروبا شامتة بنا تنصحنا مترفة بطرة .. ولكن أكثر الألم لايأتي دائما من الألم بل من تجاهل المترف لألم الضحية واصراره على نكار وجعها .. وأوروبا تجاهلت ألمنا الفظيع .. وأنكرت بعناد أننا نتألم .. وكانت مترفة تنصحنا بالحوار مع الثوار المعتدلين وتأخذنا من مؤتمر الى مؤتمر لنتفاوض مع من قتلنا وذبحنا وأحرق أطفالنا وبيوتنا ومدارسنا وسرق ديننا .. وتخترع لهم كل يوم ثيابا مزركشة جديدة ليتفاوضوا بها ويرقصوا رقصة السلام ويطالبوا بهيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحية .. فهم في يوم ثوار معتدلون .. وفي يوم آخر اسلاميون ليسوا قاعديين أشرارا .. وفي يوم ثالث تسميهم الجيش الحر ..
عندما رأيت موغيريني تبكي منكسرة تذكرت شريطا طويلا من الذكريات يمر أمامي وفيه صور مئات الضحايا والأشلاء في سورية والعراق الذين نسفهم المجاهدون المؤمنون في طريقهم الى الجنة.. كما نسفوا شوارع ومطارات بروكسل .. ولكن وجعي تحرك امام هذا الشريط اذ تذكرت كيف تجاهلت أوروبا كل عذابات الأمهات السوريات .. وكيف أصرت على أن تنكر وجعنا خمس سنوات ورفضت حتى أن تلتقط صورة لدمعة أم شهيد على خدها .. وقررت أوروية أننا لانستحق منها الا نصيحة باردة تقول: عليكم بالحوار مع القتلة وعليكم ان تتفهموا غضبهم وعنفهم وأن ترسموا حياتكم على أنهم قدركم القادم وأن يكونوا في مستقبلكم ومستقبل أولادكم ..
ياصديقتي .. هل نرد لكم نصيحتكم ونطلب منكم أن تلجؤوا للحوار مع القتلة .. وأن تمارسوا ضبط النفس .. فهانحن اليوم وفق نصيحتكم العزيزة نحاور مجرما في جنيف اسمه محمد علوش .. وأنتم تسمونه كبير المفاوضين في جيش الاسلام الوهابي .. وكبير المفاوضين هذا ياسيدتي قصف مع أخيه وعصابته دمشق آلاف المرات وقتل وجرح آلاف المدنيين .. وكبير المفاوضين هذا دخل مدينة عدرا العمالية منذ عامين مع عصابته ونحر الأبرياء وأحرق الأحياء في الأفران ولاتزال رائحة الدم عالقة على ثيابه .. وعلى كل شعرة من لحيته اسم ضحية بريئة في دمشق .. ولاتزال السكين التي نحر بها الناس معه في جيبه ويتجول بها في جنيف حيث اوروبا ترحب به وتثني على بطولاته ..

ياصديقتي .. طالما أننا نفاوض كبير مفاوضين قاتلا مثل محمد علوش .. ماذا يضيرك ان تستقبلي كبير المفاوضين في داعش لتتفاهمي معه على السلام؟؟ وهو من نفس المدرسة الوهابية لكبير مفاوضي المعارضة السورية في جنيف وله نفس اللحية ويحمل سكينا مثل التي يحملها محمد علوش في جيبه .. وربما أصغر منها ..

ياصديقتي ان كنت تبحثين بانكسارك عن دموعي وتريدين مني أن أتعاطف معك فانني لاأقدر أن أرغم دمعة واحدة وتنهيدة واحدة أن تنسى أنكم غبتم عن مهرجانات أحزاننا خمس سنوات .. لم نر فيها دمعة أوروبية واحدة الا دموع تماسيحها الغزيرة ..

فلا تنتظري ياسيدتي أن يصلك دمعي ودموع اهلي واخوتي وجيراني بالبريد العادي أو الالكتروني أو عبر الحمام الزاجل .. لأنك سترينه غدا محمولا اليك على ثياب القتلة .. فغدا ستحضرين مسرحية منافقة ستنفذها مظاهرة غاضبة تتعاطف مع ضحاياكم في شوارع بروكسل سيسير في مقدمتها نتنياهو .. وهولاند .. وكاميرون .. واردوغان وأوغلو .. واوباما .. وشيوخ الخليج المحتل .. وحفيد ملك السيفليس .. وربما الملك سلمان او وزير خارجيته المعتوه .. وهؤلاء جميعا سيسيرون في بروكسل وعلى ثيابهم دمي ودمعي .. ودموع أمي واخوتي .. ودماء أهلي وشقيقاتي .. وصراخ جيراني وأحبتي .. واستغاثات السبايا وبكاء أطفالهن .. وعلى ثياب الواصلين الى بروكسل أشلاء عشرات آلاف الضحايا ..

غدا سيصل الى بروكسل طبعا كل قتلة شعبي وثيابهم المبللة ليست مبللة بالمطر الذي يهطل في بروكسل .. بل بالدم والدمع الذي ذرفناه .. ومن سيسير في شوارعكم وسيصلكم معزيا هم الذين قتلوا الناس في سوريا وبروكسل .. وكل أصحاب مصنع هذه المأساة في الشرق وفي الغرب سيسيرون في عراضة تندد بالارهاب .. ولن ينسوا أن يقولوا ان اسقاط داعش يمر باسقاط المزيد من الشعب السوري ..

ياصديقتي ربما لاتعرفين شاعرا من حلب التي أبكاها اتحادك الاوروبي وهو يتجاهل وجعها اليومي وقذائف جهنم فيها .. اسمه أبو فراس الحمداني .. وقد تذكرته على الفور وأنا أراك تتكئين على كتف وزير أردني كم اتكأت عليها الدواعش قبلك .. وكأن أبا فراس كان يراك منذ ألف سنة وأنت تنوحين بقربه في الأردن .. فخاطبك بقصيدة وكأنه نوستراداموس الحلبي بلساني ولسان كل سوري .. فاسمحي لي أن أهديها اليك دون ترجمة .. ولاتجزعي من ذلك ..فسيترجمها لك الكثيرون من الدواعش المعتدلين الذين يفاوضوننا في جنيف اليوم نيابة عنكم:

أقول وقد ناحت بقربي حمامة .. أيا جارتا لو تشعرين بحالي
أيضحك مأسور وتبكي طليقة .. ويسكت محزون ويندب سالي
لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ولكن دمعي في الحوادث غال

Advertisements