http://www.rewayatnet.net/forum/archive/index.php/t-37944.html

من الأحداث ذات الدلالة العميقة على تأجج الشعور القومى العروبي وتصاعد المد الوحدوي عقب حرب السويس 1956م كانت تلك الحادثة التى أسدلت عليها ستائر التاريخ حتى كادت أن تذهب في طى الكتمان ، ألا وهى حادثة الباخرة كليوباترا .
في 26فبراير 1959م قامت السلطات في الجمهورية العربية المتحدة بمصادرة سفينة ليبيرية في ميناء بورسعيد كانت تحمل بضائع إسرائيلية إلى سيلان ، وتكرر نفس الأمر مع سفينة تحمل علم ألمانيا الغربية ، فقدم الجانب الإسرائيلي شكوى إلى مجلس الأمن الدولي ، وكان المجلس قد طالب مصر مرتين في عامي 1951م و 1956م بالسماح لإسرائيل بالمرور في قناة السويس ، وفي 21مايو 1958م تمت مصادرة سفينة دانمركية تحمل بضائع إسرائيلية ، وحاول الأمين العام للأمم المتحدة التوسط في الأمر ، وقام بزيارة القاهرة ، والتقى بالرئيس “عبد الناصر” ، فسمحت الجمهورية العربية المتحدة برحيل السفن المصادرة ، بعد إفراغ حمولاتها ، وقد ساعد على ذلك قرار البنك الدولي بمنح الجمهورية العربية المتحدة قرضًا يخصص لإصلاح وتوسيع مجرى قناة السويس لكن القاهرة لم تعط أية وعود تقضي بالسماح لإسرائيل بالمرور في القناة ، وخير دليل على ذلك ما قامت به من مصادرة الباخرة اليونانية “أستيباليا”التي كانت تحمل بضائع إسرائيلية ، وذلك عقب توقيع الاتفاق مع البنك الدولي بخصوص توسيع مجرى القناة وبات واضحًا أن “عبد الناصر” لم يقبل المساومة والتي جاءت بشكل غير مباشر ، مما أثار استياء إسرائيل ، وجعلها تعيش تحت وطأة حصار بحري خانق ،فقررت الضغط على”عبد الناصر” لإجباره على رفع الحصار عن البضائع الإسرائيلية المارة في القناة ، فجاءت حادثة الباخرة “كليوباترا” محصلة لكل هذه العوامل .
بدأ الأمر بحملة دعائية قادها “بن جوريون” بنفسه في الولايات المتحدة أثناء زيارته لـ “نيويورك” أعقبها التخطيط لعمل يتم الرد من خلاله على سلوك الجمهورية العربية المتحدة تجاه السفن والبضائع الإسرائيلية كبداية لمقاطعة كل ما هو عربي ، وفي 13 أبريل 1960م أتت جهود “بن جوريون” واللوبي الصهيوني ثمارها ، ففي هذا اليوم امتنع عمال الشحن في ميناء نيويورك عن التعامل مع الباخرة “كليوباترا” التابعة للجمهورية العربية المتحدة ، وتملكها شركة “البوستة الخديوية” ، وبالفعل أضرب العمال عن تفريغ الباخرة ، وتناوبوا الوقوف على رصيف الميناء لمنع أية محاولة لتفريغها ، بدعوى أن المقاطعة العربية للسفن التي تحمل بضائع إسرائيلية ، ووضع السفن الأمريكية التي تتعاون مع إسرائيل في القائمة السوداء يؤثر عليهم ويعرضهم للتعطل ، وأقامت شركة “البوستة الخديوية” دعوى مستعجلة أمام المحكمة الفيدرالية الأمريكية ، ولكن المحكمة رفضت إصدار أمر عاجل إلى عمال الميناء ، وأصدرت قرارًا بالرفض اعتمادًا على ما زعمه اتحاد البحارة الأمريكيين بأن بعض أعضائه فقدوا أعمالهم بسبب مقاطعة الجمهورية العربية المتحدة للسفن الأمريكية التي تتعامل مع إسرائيل .
وقد أكد وزير الخارجية “ديلون” في خطابه إلى رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي أن المقصود من مقاطعة الباخرة كليوباترا هو ممارسة الضغط السياسي على الجمهورية العربية المتحدة لرفع الحصار عن البضائع الإسرائيلية المارة في قناة السويس مما ينفي عن المسألة وجود أي نزاع عمالي ، ويكشف النقاب عن الهدف السياسي المرجو من وراء العملية .
وسرعان ما تلاحقت الأحداث بعد أن أيدت محكمة استئناف نيويورك رفض الأمر بإنهاء المقاطعة ، وتطورت الأزمة وقدمت القاهرة احتجاجًا رسميًّا إلى الحكومة الأمريكية.وطالبت بتدخل الرئيس “ايزنهاور” بحكم السلطات التي يخولها له الدستور الأمريكي بفض أي إضراب يتعرض معه أمن الشعب الأمريكي للخطر.لكن المقاطعة استمرت ، ولم يتدخل الرئيس الأمريكي.
وعلى هذا ظهرت أهمية وجود عمل عربي يوازي الفعل الأمريكي ويرد عليه ، وبالفعل أرسلت النقابات العربية برقيات احتجاج إلى النقابة الدولية في بروكلين ، وأكدت أنه لو لم يتم وقف هذا العمل غير القانوني فإنها سوف تضطر آسفة إلى اتخاذ قرار مماثل ضد جميع البواخر الأمريكية في المواني العربية ، وفي ضوء تجمد الموقف والأنباء المتواترة عن إساءة معاملة البحارة العرب على متن الباخرة كليوباترا ، وجه الاتحاد العربي للعمال العرب إنذارًا حاسمًا إلى الاتحاد الأمريكي لعمال الشحن والتفريغ بأنه إذا لم يصحح موقفه العدواني خلال أسبوع ، فإن العمال العرب سوف يقومون بالامتناع عن تموين وخدمة وإصلاح وشحن وتفريغ السفن الأمريكية في سائر المواني العربية ، ونوه المجلس أن هناك إجراءات أخرى حاسمة سوف تنفذ في مرحلة تالية ، وجاء الموعد المحدد في منتصف ليلة 29أبريل 1960م.
ولم يكترث الاتحاد الأمريكي لعمال الشحن والتفريغ بالإنذار العربي ، لتبدأ معركة سياسية اكتسبت سمة شعبية ، وشكلاً حماسيًّا هائلاً ، وفي 29أبريل 1960م كانت كلمات “هيكل” في الأهرام تعكس جوًّا مشوبًا بالتحدي حيث قال :” الليلة تبدأ معركة أخرى في الحرب الكبرى الدائرة بين الأمة العربية كلها، وبين أعدائها، وفى مقدمة الصف منهم: إسرائيل والصهيونية العالمية. الليلة تبدأ المعركة الجديدة، حين ينفذ العمال العرب، قرارهم بمقاطعة البواخر الأمريكية في كل ميناء عربي، ردًّا على مؤامرة مقاطعة الباخرة العربية كليوباترا ………الليلة تبدأ معركة أخرى في الحرب الكبرى أطرافها: الأمة العربية ضد الصهيونية العالمية. ميدانها: نيويورك – الولايات المتحدة الأمريكية ، وما لم تحدث معجزة في الساعات القليلة القادمة قبل أن يجيء منتصف الليل ، فإن المعركة محتمة، ونتائجها مما لا يمكن التنبؤ به ….. لكي يعرف الذين يتصورون أنهم يحكمون الدنيا من نيويورك، أن القدر لم يجعل من نيويورك – مقرًّا لعرشه، يحكم منه مصائر الدول، ومستقبل الشعوب….. لكي تعرف الصهيونية العالمية، وكل من يتركون أنفسهم أدوات في أيديها، أن القومية العربية يقظة وعلى حذر، وأنها على أهبة القتال في أي زمان وأي مكان…… لكي يعرف الرأي العام الأمريكي، عندما يسمع ويرى. …عندما ترتد البواخر الأمريكية – وكأن الطاعون عليها – عائدة من أمام المواني العربية، وعندما يضطر العلم الأمريكي إلى أن ينكس رأسه على الموج أمام الشواطئ العربية، خزيًّا وعارًا ساعتها ربما يفيق الرأي العام الأمريكي.. ويتساءل: لماذا، وأي مصلحة أمريكية يحققها هذا الذي ساق إليه ومن الذي يسوقنا؟ “.
ومع انتهاء الدقة الثانية عشرة امتنع جميع العمال العرب في المواني العربية من المغرب وحتى سواحل الخليج العربي عن التعامل مع السفن الأمريكية ، وأيدت الشعوب العربية تلك الخطوة بشكل حماسي واتسعت تلك الحركة لتشمل بعض البلدان الأفرآسيوية .فمع اليوم الرابع للمقاطعة العربية هدد عمال ميناء بومباي بمقاطعة السفن الأمريكية إذا لم تفرغ كليوباترا حمولتها وفي تلك الآونة ، وردًّا على الموقف العربي تقدم عضوان من أعضاء الكونجرس الأمريكي ، أحدهما ديموقراطي والآخر جمهوري بطلب تعديل قانون المساعدات الأمريكية ، وحرمان الجمهورية العربية المتحدة بالذات من هذه المساعدات ، وفي المقابل تزعم السيناتور فولبرايت رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ الاتجاه المعتدل ، وطالب بالتخلي عن استفزاز الجمهورية العربية المتحدة ، وقاد حملة ضد مشروع القرار المعروض بحرمانها من المساعدات الأمريكية ، وندد بمقاطعة عمال نيويورك للباخرة كليوباترا ، وما ترتب عليه من مقاطعة عربية مماثلة للسفن الأمريكية ، وتصاعدت وتيرة الأزمة ، وفي تطور مباغت هدد “جيمس لاوسون زعيم الحركة الوطنية الأفريقية المتحدة بالولايات المتـحدة بقيام العمـال الزنوج في نيويورك بتفريغ الباخرة بالقوة مؤكدًا أن المقاطعة تمت بفعل تآمر الصهيونية العالمية ، ومع اليوم الخامس للمقاطعة وجه الرئيس “ايزنهاور” نداءً للعمال الأمريكيين لإنهاء المقاطعة ، ولكن الاتحاد العام لنقابات العمال رفض الاستجابة وتدخل “همرشولد” مؤكدًا أن مقاطعة كليوباترا لن تجدي نفعًا ، ولن تفتح القناة أمام سفن إسرائيل.
ويبدو أن وطأة المقاطعة العربية كانت شديدة ، حيث أكد “ديلون” وكيل الخارجية الأمريكية ، أنه مقابل كل سفينة عربية تتم مقاطعتها في المواني الأمريكية ، تتم مقاطعة ثلاثين سفينة أمريكية في المواني العربية من المحيط إلى الخليج.
وفي يوم الجمعة 6مايو 1960م أصدر بول هول رئيس نقابة عمال البحر الأمريكيين أمرًا بإنهاء الحصار المفروض على الباخرة العربية كليوباترا ، وفي يوم الإثنين 9مايو انتهت الأزمة ، وبدأت عملية تفريغ السفينة ، وفي المقابل أعلن اتحاد العمال العرب إنهاء مقاطعة السفن الأمريكية.مما حقق انتصارًا سياسيًّا ومعنويًّا ليس للجمهورية العربية المتحدة فحسب ، وإنما للشعوب العربية التي وحدتها الأزمة ، فكانت المقاطعة العربية للسفن الأمريكية نموذجًا لما يمكن أن يمارسه العرب من ضغط على دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة ، ولما يمكن أن تفعله وحدة العرب على صعيد السياسة الدولية ، وخرج “عبد الناصر” من الأزمة أكثر قوة ، وقد لمست الجماهير العربية أهمية العمل العربي المشترك بشكل عملي ، وبالتالي اكتسب المشروع القومي تأييدًا كبيرًا بين صفوف الجماهير.

Advertisements