هل كان صندوق النقد والبنك الدوليين وراء مآسي الدول النامية المالية
تأليف: ميشيل تشوسودفيسكي – عرض وتحليل: إميل أمين – هل تؤدي العولمة في أحد أوجهها السلبية إلى انتشار المزيد من الفقر حول العالم ليصل الأمر حد “عولمة الفقر” بالفعل، وبالتالي حدوث أزمات مالية حول العالم؟ الشاهد أن الأزمة المالية العالمية لا تتركز في منطقة بذاتها من العالم، فالاقتصاديات القومية متداخلة، والعمليات المصرفية التجارية وملكية المشروعات التجارية (التي تبلغ 750 شركة عالمية) تتجاوز الحدود الاقتصادية، والتجارية الدولية متكاملة، والأسواق المالية في العالم أجمع ترتبط بحلقات وصل فورية من الحواسب الآلية، والأزمة المالية أكثر تعقيداً من أزمة ما بين الحربين، ونتائجها الاجتماعية وآثارها الجيوسياسية بعيدة المدى، وخاصة في فترة الشكوك التي أعقبت الحرب الباردة. وتضبط حركة الاقتصاد “عملية عالمية لجباية الديون” تقيد مؤسسات الدولة القومية، وتسهم في تدمير الأيدي العاملة والنشاط الاقتصادي، ووصل عبء الدين الخارجي في العالم إلى تريليوني دولار، وتزعزعت بلدان بأسرها نتيجة انهيار العملات الوطنية، مما أدى في كثير من الحالات إلى نشوب الشقاق الاجتماعي والنزاعات العرقية والحروب الأهلية. يلقى هذا الكتاب الضوء على عملية إعادة الهيكلة الاقتصادية التي يفرضها الدائنون الدوليون على البلدان النامية منذ أوائل الثمانينات، ومنذ أزمة الدين في ذلك الوقت والسعي إلى تحقيق أقصى ربح توجهه سياسة الاقتصاد الكلي، بما يؤدي إلى تفكيك مؤسسات الدولة، وتمزيق الحدود الاقتصادية، وإفقار الملايين من الناس… من هو ميشيل تشوسودفيسكي صاحب هذا الكتاب؟ أنه عالم اقتصاد كندي من مواليد عام 1946، تخرج في جامعة مانشستر بانجلترا، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة نورث كارولينا بالولايات المتحدة، يعمل أستاذ الاقتصاد بجامعة أوتاوا بكندا، ومن مؤلفاته “الحرب على الإرهاب” و “أخطار الحرب النووية، قام على تحرير كتب عدة منها “الأزمة الاقتصادية العالمية”، وصندوق النقد الدولي، وليبيا، ويدير مركز أبحاث العولمة وله موقع الكتروني ينشر فيه آراءه الناقدة لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية، وحلف الناتو، والتضليل الإعلامي، وعدم المساواة الاجتماعية، والأزمة الاقتصادية العالمية.
هل كانت خطوط الطول وخطوط العرض للرأسمالية العالمية والاقتصاد الكلي هي السبب الرئيسي وراء الانهيارات التي جرت للعديد من الدول النامية مؤخراً؟ هذا ما يؤكده المؤلف، ويرى أن برامج “تثبيت الاقتصاد الكلي”، والتكيف الهيكلي “التي فرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على البلدان النامية كشرط لإعادة التفاوض في ديونها الخارجية منذ أوائل الثمانينات إلى إفقار مئات الملايين من الناس. وفي تناقض مع روح اتفاقية بريتون وودز التى قامت على “إعادة البناء الاقتصادي، وثبات أسعار الصرف الرئيسية، كأسهم برنامج التكيف الهيكلي إلى حد كبير في زعزعة العملات الوطنية، وتدمير اقتصادات البلدان النامية. وانهارت القوة الشرائية الداخلية، وظهرت المجاعات وأغلقت العيادات والمدارس، وأنكر على الآلاف وربما الملايين من الأطفال الحق في التعليم، وأدت الإصلاحات في عديد من مناطق العالم النامي إلى انبعاث الأمراض المعدية، ومن بينها السل والملاريا والكوليرا. ورغم أن ولاية البنك الدولي تتمثل في “مكافحة الفقر، وحماية البيئة فإن دعمه للمشاريع الكهرومائية الزراعية ـ الصناعية الضخمة قد سرع كذلك بعملية نزع الغابات وتدمير البيئة الطبيعية، مما أدى إلى التشريد الإجباري لعدة ملايين من الناس وإبعادهم. ومنذ منتصف الثمانينات تتوافر وثائق كافية عن أثر التكيف الهيكلي، بما في ذلك انتقاص حقوق المرأة الاجتماعية، والآثار البيئية الضارة للإصلاح الاقتصادي. وإذا كانت مؤسسات بريتون وودز قد اعترفت “بالأثر الاجتماعي للتكيف”، فإن تحولا في اتجاه السياسة لا يبدو في الأفق، والواقع أن الوصفات السياسية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي أصبحت تفرض الآن باسم “تخفيف الفقر”، قد أصبحت منذ أواخر الثمانينات متزايدة الشدة والصلابة. والمعروف أن المؤسسات المالية العالمية تلعب دورا مهما في عملية إعادة هيكلة الاقتصادات الوطنية، ويمثل التصديق على اتفاق الجات وتكوين منظمة التجارة العالمية في عام 1995 علامة بارزة في تطوير النظام الاقتصادي العالمي، وتتمثل ولاية منظمة التجارة العالمية في تنظيم التجارة العالمية لصالح البنوك والشركات عبر القومية، فضلا عن الإشراف على إنفاذ السياسات التجارية الوطنية وينتهك اتفاق الجات حقوق الشعوب الأساسية، وخاصة في مجالات الاستثمار الأجنبي، والتنوع البيولوجي، وحقوق الملكية الفردية.
إخضاع البلدان عبر مشروطية القروض
يتساءل عالم الاقتصاد الكندي الشهير “ميشيل تشوسودفيسكي”: “كيف أخضعت البلدان كانت مدينة فقد تمكنت مؤسسات بريتون وودز من إلزامها عن طريق ما يسمى “بالمشروطيات”، المرتبطة باتفاقيات القروض ـ بإعادة توجيه سياسة اقتصادها الكلي توجها “مناسبا” وفقا لمصالح الدائنين الرسميين والتجاريين؟. وقد زاد عبء دين البلدان النامية بثبات منذ أوائل الثمانينات بالرغم من مختلف مشاريع إعادة الجدولة وإعادة الهيكلة وتحويل الديون التي قدمها الدائنون، والواقع أن هذه الإجراءات مصحوبة بالاقراض ذي الأساس السياسي من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قد أدت إلى زيادة الدين القائم للبلدان النامية مع ضمان السداد الناجز لمدفوعات الفوائد. وقد كان إجمالي الدين القائم طويل الأجل للبلدان النامية نحو 62 مليار دولار في عام 1970، وزاد إلى سبعة أمثاله في مجرى السبعينات ليصل إلى 481 مليار دولار في عام 1980، ويبلغ إجمالي دين البلدان النامية بما فيها الديون قصيرة الأجل، أكثر من تريليون دولار، أي ما يمثل 32 ضعفا لعام 1970… هل ما جرى كان مشروع مارشال للدول الغنية؟ الثابت انه في حين تدهورت أسعار السلع، مما أدى منذ أوائل الثمانينات إلى انخفاض قيمة الصادرات فقد خصصت حصة متزايدة على الدوام من عائدات التصدير خدمة للدين. وبحلول منتصف الثمانينات كانت البلدان النامية قد أصبحت مصدرة صافية لرأس المال لصالح البلدان الغنية، وبعبارة أخرى كان تدفق قيمة الدين الفعلية يفوق تدفقات رأس المال الجديدة في شكل قروض واستثمار أجنبي ومعونة أجنبية، وحتى منتصف الثمانينات كانت المؤسسات المالية الدولية قد أعادت تمويل الدين أساسا نيابة عن البنوك التجارية والدائنين الرسميين، غير أن كثيرا من القروض التي منحتها المؤسسات الدولية في بداية أزمة الدين قد استحقت وطالت المؤسسات المالية الدولية القائمة في واشنطن بسداد هذه القروض وبمقتضى مواد اتفاق مؤسسات بريتون وودز لا يمكن إعادة جدولة هذه القروض.
الصومال.. أسباب المجاعة
ماذا كانت الأسباب الكامنة وراء الأزمة الغذائية التي ضربت الصومال في ثمانينات وتسعينات القرن المنصرم؟ إن الصورة التلفزيونية العالمية تبرز ضحايا الحرب الأهلية والجفاف والسيول، وقد نسبت المجاعة في الصومال آليا لعوامل سياسية ومناخية خارجية مثل غياب السحب الحاملة للأمطار وشذوذات الضغط الجوي، لكن هذا الحديث يشوه التاريخ، ولا يكشف سوى سطح الأحداث العالمية ولونها. فقد كانت الصومال مكتفية بذاتها غذائيا حتى السبعينات، فما الذي أسرع بانهيار المجتمع المدني؟ ولماذا دمرت الزراعة الغذائية ورعي الرحل؟ كان الجفاف والتصحر والحرب الأهلية هي السبب “الرسمي” للمجاعة الصومالية. وكانت عملية “استعادة الأمل” والتدخل العسكري الأمريكي في عام 1993 هما الحل. فما هي أصول الأزمة الصومالية؟ كانت الصومال اقتصاداً رعوياً يقوم على التبادل بين الرعاة الرحل وصغار المزارعين، وكان الرعاة الرحل يمثلون 50% من السكان وفي السبعينات أدت برامج إعادة التوطين إلى تطور قطاع كبير من الرعي التجاري، ومثلت الماشية 80% من عائدات التصدير حتى عام 1983، ورغم تكرار الجفاف فقد بقيت الصومال عمليا مكتفية بذاتها غذائيا حتى السبعينات. وأسهم تدخل صندوق النقد الدولي ـ البنك الدولي في أوائل الثمانينات في تفاقم أزمة الزراعة الصومالية، فقد فوضت الإصلاحات الاقتصادية علاقة التبادل الهشة بين “اقتصاد الرحل” و”اقتصاد الحضر” أي بين الرعاة وصغار المزارعين التي تتسم المعاملات النقدية بالمقايضة التقليدية، وفرض على الحكومة برنامج تقشف شديد للغاية لتوفير الأموال اللازمة لخدمة ديون الصومال لنادي باريس، والواقع أن حصة كبيرة من الدين الخارجي كانت مملوكة للمؤسسات المالية في واشنطن وطبقا لتقرير لأحدى البعثات الخاصة بصندوق النقد الدولي… كان الصندوق وحده من بين كبار متلقي مدفوعات خدمة الدين الصومالي، وهو الذي يرفض إعادة الجدولة. وهو في واقع الأمر يساعد على تمويل برنامج تكييف أحد أهدافه الرئيسية هو سداد صندوق النقد ذاته.
الإبادة الاقتصادية في رواندا
هل وضع الصومال هو وضع متفرد في إفريقيا أم أن هناك بلدانا إفريقية أخرى كانت إجراءات العولمة الاقتصادية وراء ما جرى فيها من مصائب وكوارث؟ الشاهد أن وسائل الإعلام الغربية قد عرضت الأزمة الرواندية التي أدت إلى المذابح العرقية في عام 1994 باعتبارها سرداً فياضاً للمعاناة البشرية، في حين تجاهل الصحفيون بعناية الأسباب الاجتماعية والاقتصادية الكامنة، وكما يحدث في البلدان الأخرى التي تمر بمرحلة انتقالية، تصور النزاعات العرقية ونشوب الحرب الأهلية، وكأنها أشياء محتومة، وملازمة لهذه المجتمعات تشكل مرحلة أليمة في تطورها من دولة الحزب الواحد إلى الديمقراطية والسوق الحرة. وقد صدمت وحشية المذابح المجتمع العالمي، لكن ما لم تشر إليه وسائل الإعلام الدولية هو أن الحرب الأهلية قد سبقها نشوب أزمة اقتصادية عميقة الجذور. وكانت إعادة هيكلة النظام الزراعي هي التي أسرعت بإلقاء السكان إلى الفقر المدقع والإملاق. وقاد هذا التدهور في البيئة الاقتصادية الذي أعقب مباشرة إنهيار سوق البن الدولي وفرض مؤسسات بريتون وودز لإصلاحات اقتصاد كلي كاسحة، إلى تفاقم التوترات العرقية التي كانت تغلي وأسرع بعملية الانهيار السياسي. ففي عام 1987 بدأ نظام الحصص الذي أقيم في ظل اتفاقية البن الدولية يتمزق، وهبطت الأسعار المالية، وأخذ الصندوق التسوية (الصندوق الذي أقامته لتثبيت أسعار الين) الذي يشتري البن من المزارعين الروانديين بسعر ثابت يتحمل ديونا كبيرة، وتلقى اقتصاد رواندا ضربة قاتلة في يونيو 1989 حين وصلت اتفاقية البن الدولية إلى طريق مسدود نتيجة للضغوط السياسية من واشنطن لصالح كبار تجار الين الأمريكية، وفي ختام اجتماع تاريخي للمنتخبين عقد في فلوريدا هبطت أسعار البن في غضون بضعة أشهر بأكثر من 50%، وآثار هبوط الأسعار الفوضى في رواندا، وعديد من البلدان الأفريقية الأخري، ولاحقاً بلغت أسعار التجزئة أكثر من 20 مثلاً لما يدفع للمزارع الأفريقي. كانت البلدان الغنية تجمع ثروات هائلة، وعليه فإن إلقاء اللوم على الحقد القبلي عميق الجذور لا يعفي فحسب حكومات مجموعة السبعة والمانحين، وإنما يشوه كذلك عملية التحلل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي شديد التعقيد التي تؤثر على أمة بأسرها تبلغ سبعة ملايين نسمة.
الهند ومأسي صندوق النقد
لم تكن الكفالة التي قدمها صندوق النقد الدولي لحكومة حزب المؤتمر برئاسة “ب. ف. ناراسيمها” في عام 1991 تشير لدى الوهلة الأولى إلى انهيار اقتصادي كبير وتحلل للمجتمع المدني شبيه بما حدث في كثير من البلدان التي أصابتها الديون في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية والتي خضع “للعلاج بالصدمة” على يد صندوق النقد الدولي. وفي حين أن الهند لم تعان تضخما زائدا، ولا أنهيارا في سوق عملاتها الأجنبية، فقد كان الأثر الاجتماعي في بلد يضم 900 مليون نسمة مدمراً، ففي الهند أثر برنامج صندوق النقد الدولي الذي بدأ في يوليو 1991 تأثيرا مباشرا على معيشة مئات الملايين من الناس، وظهرت شواهد على جوع مزمن منتشر وإملاق اجتماعي نشأ مباشرة عن تدابير الاقتصاد الكلي. في الهند كان صندوق النقد الدولي وراء سحق فقراء الريف والحضر، فبدلاً من توسيع قوانين العمل لتحمي العمال العرضيين والموسميين أقترح برنامج الصندوق مساعدة الفقراء بنبذ قوانين العمل كلية؛ لأن هذه القوانين تحابي ارستقراطية العمال وتميز ضد القطاعات غير النقابية من قوة العمل، ولم تنظر الحكومة ولا صندوق النقد الدولي للأثر الاجتماعي الواسع للسياسة الاقتصادية الجديدة على العمال الزراعيين والحرفيين والمنشآت الصغيرة. ليس هذا فحسب بل أن صندوق النقد الدولي أوصى البنك الدولي بإلغاء تشريع الحد الأدنى للأجور فضلا عن عدم ربط الدخول بالأسعار وأسهم تحرير سوق العمل المقترح في تعزيز العلاقات الاجتماعية الاستبدادية وبذا أضفى في الممارسة مزيداً من المشروعية على الاستغلال الطائفي وشبه العبودية وعمل الأطفال. وكان الاتجاه في ظل توجيهات البنك الدولي نحو نزع الملكية من خلال الإلغاء الرسمي للحدود القصوى لملكية الأرض، فضلاً عن نزع ملكية مشاعات القرى على أيدي كبار الملاك والكولاك. وأسهم التحرير المصرفي في تعزيز قوة المرابين في القرى، وتحول برنامج صندوق النقد الدولي إلى أداة للإبادة الاقتصادية فقد كان مئات الملايين من الناس يعيشون على دخول بالنسبة للفرد تقل عن 50 سنتاً في اليوم. ومع وجود الحركات الانفصالية النشطة في كشمير والبنجاب وأسام ومع الاضطرابات في أمريستار، والهدنة المزعزعة على طول خط المراقبة مع باكستان، أسهم الدواء الاقتصادي الذي قدمه صندوق النقد الدولي في زيادة الاستقطاب في المجتمع الهندي، وإمكان إيجاد الظروف المسبقة لانهيار الاتحاد الهندي. وأدت إجراءات التشقف التي فرضها صندوق النقد الدولي إلى تفاقم التوترات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات المتحدة وبشكل أعم أسهم البرنامج الاقتصادي في زيادة مرارة النزاعات الدينية والعرقية.
تدمير فيتنام اقتصاديا
يؤكد المؤلف على أن الآثار الاجتماعية للتكييف الهيكلي الذي طبق في فيتنام منذ منتصف الثمانينات مدمرة، فقد أغلقت العيادات الصحية والمستشفيات أبوابها، وانتشرت المجاعات على المستوى المحلي، وعانى منها ما يصل إلى ربع سكان فيتنام، وتسرب ثلاثة أرباع مليون طفل من النظام المدرسي. وعادت للظهور الأمراض المعدية، وبلغت حالات وفيات الملاريا المسجلة ثلاثة أمثالها خلال سنوات الإصلاح الأربع. ودفعت خمسة آلاف من منشآت الدولة إلى الإفلاس، وتم تسريح مليون عامل، ونحو مائتي ألف من المستخدمين العموميين بينهم عشرات الآلاف من المدرسين وعمال الصحة. واشترط اتفاق سري عقد في باريس في عام 1993، وكان معناه في عديد من النواحي إجبار فيتنام على “تعويض واشنطن” من تكاليف الحرب، على هانوي الاعتراف بديون نظام الجنرال “ثيوفي سايجون” كشرط لمنع قروض جديدة ولرفع الحظر الأمريكي. واحبطت انجازات وأماني صراعات الماضي لأمة بأسرها ومحيت تقريبا “بجرة قلم”. ولم تعد هناك قنابل برتقالية، ولا قنابل كريات، ولا نابالم، ولا مواد كيميائية سامة، فقد بدأت مرحلة جديدة من التدمير الاقتصادي لا المادي. وشكلت أدوات سياسة الاقتصاد الكلي التي تبدو محايدة وعلمية بتوجيه مؤسسات بريتون وودز، في أعقاب حرب فيتنام إلى أدوات لإعادة الاستعمار، لا تقل فعالية وتبدو غير عنيفة شكلاً أدوات إفقار تؤثر على معيشة الملايين. والصورة المختزلة التي تصورها كثير من وسائل الإعلام الغربية هي أن آليات السوق الحرة قد دفعت فيتنام إلى وضع “نمر آسيوي” مرتقب. وما من شيء أبعد عن الحقيقة. فقد بدأت الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقت في 1986 بتوجيه مؤسسات بريتون وودز في أعقاب الحرب الوحشية، مرحلة تاريخية جديدة من التدمير الاقتصادي والاجتماعي، وأدى الإصلاح الاقتصاد الكلي إلى إفقار الشعب الفيتنامي، ضاربا في الوقت نفسه كل قطاعات النشاط الاقتصادي.
الديون والديمقراطية في البرازيل
هل كانت دول أمريكا اللاتينية بعيدة عن تأثيرات صندوق النقد الدولي السيئة؟ الثابت أنه في الوقت الذي تم فيه خلع الرئيس الفاسد “فرناندو كولر” كانت خلفية المسرح في البرازيل أي بعيدا عن أنظار العالم تشهد مفاوضات تجري بشأن صفقة أكبر تبلغ مليارات الدولارات بين وزير المالية ودائني البرازيل الدوليين، ودارت هذه المفاوضات من يونيو حتى سبتمبر 1992 خلف الأبواب المغلقة وتزامنت مع عملية خلع الرئيس. لاحقا أعلن عن اتفاق أولي على صيغة إعادة هيكلة لأربعة وأربعين مليار دولار أمريكي، تدين بها البرازيل للبنوك التجارية قبيل خلع مجلس الشيوخ للرئيس كولر في 29 سبتمبر 1992، وكانت الصفقة أشبه ببيع ممتلكات المدين، ما يزيد عبء خدمة الدين البرازيلي كثيرا نتيجة لها. كان الدائنون قد فرضوا تخفيض قيمة الكروزيرو، والتضخم ينطلق بأكثر من 20% شهريا، وأساسا نتيجة “لبرنامج مكافحة التضخم” الذي وضعه صندوق النقد الدولي، فقد أسهمت الزيادة المفاجئة لأسعار الفائدة الحقيقية التي فرضها الصندوق على البرازيل في عام 1991 في زيادة الدين الداخلي، وفي اجتذاب مقادير كبيرة من الأموال الساخنة والقدرة إلى النظام المصرفي البرازيلي. كان جدول الأعمال الخفي لصندوق النقد الدولي يتمثل في دعم الدائنين وفي الوقت ذاته إضعاف الدولة المركزية، وكانت تسعون مليار دولار قد دفعت بالفعل كفائدة في الثمانينات، أي ما يقرب من مقدار إجمالي الدين ذاته (120 مليار دولار أمريكي). غير أن مجمع الفوائد لم يكن الهدف الرئيسي، فقد كان دائنو البرازيل الدوليون يريدون ضمان استمرار البلد غارقا في الديون في المستقبل، وإعادة هيكلة الاقتصاد القومي والدولة على هواهم من خلال استمرار نهب المواد الطبيعية والبيئية، وتعزيز اقتصاد التصدير القائم على العمل الرخيص، واستيلاء رأس المال الأجنبي على أكثر منشآت الدولة ربحا. وهكذا تخصص أصول الدولة مقابل الدين، وتضغط تكاليف العمل نتيجة عدم ربط الأجور بالأسعار وفصل العمال، وواجهت إصلاحات الاقتصاد الكلي التضخم مباشرة، فلم يكن الفقر نتيجة الإصلاحات فحسب، بل كان أيضا شرطاً صريحاً للاتفاق مع صندوق النقد الدولي.
عولمة مصير الفقير
كيف سيمضي العالم مع هذه العولمة المفقرة للدول والأفراد، وفي فترة أفقار عالمي تتسم بانهيار النظم الإنتاجية في العالم النامي، وتصفية المؤسسات الوطنية وتحلل البرامج الصحية والتعليمية؟ لقد بدأت عولمة الفقر هذه التي قلبت إلى حد كبير إنجازات فترة تصفية الاستعمار فيما بعد الحرب ـ في العالم الثالث في تزامن مع نشوب أزمة الديون، وأنشبت قبضتها منذ التسعينات في كل إقاليم العالم الرئيسية، ومن بينها أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وبلدان الكتل السوفييتية السابقة والبلدان المصنعة حديثا في جنوب شرق آسيا والشرق الأقصى. وظهرت في التسعينات مجاعات على المستوى المحلي في إفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا وأجزاء من أمريكا اللاتينية، وأغلقت العيادات الطبية والمدارس وأنكر على مئات الملايين من الأطفال الحق في التعليم الابتدائي وظهرت الأمراض المعدية، ومن بينها السل والملاريا والكوليرا، من جديد في العالم الثالث وأوروبا الشرقية والبلقان. يتساءل المرء في نهاية هذه القراءة “هل الانخفاض العالمي في مستويات المعيشة نتيجة لندرة الموارد الإنتاجية؟ مؤكد لا، فالانخفاض الآن ليس كما كان في الفترات التاريخية السابقة، فالواقع ان عولمة الفقر حدثت في فترة تقدم تكنولوجي وعلمي سريع. وفي حين أسهم هذان التقدم في زيادة الطاقة الكامنة للنظام الاقتصادي على إنتاج السلع والخدمات الضرورية فإن اتساع مستويات الإنتاجية لم يترجم في الواقع إلى انخفاض مقابل في مستويات الفقر العالمي، بالعكس أدى إلى تحجيم الشركات وإعادة هيكلتها ونقل الإنتاج إلى ملاذات العمل الرخيص في العالم الثالث إلى زيادة مستويات البطالة وإلى دخول أدنى كثيراً لعمال الحضر والمزارعين، وهذا النظام الاقتصادي الدولي الجديد يتغذى على الفقر البشري والعمل الرخيص. وأسهم ارتفاع مستويات البطالة الوطنية في كل من البلدان المتقدمة والنامية إلى انكماش الأجور الحقيقة، لقد دولت البطالة” ورأس المال يهاجر من بلد إلى آخر في بحث دائم عن إمدادات أرخص من العمل وساد الفقر في كل من البلدان النامية والمتقدمة. هل القادم اقتصادياً أسوأ؟ مما لا شك فيه أن إعادة الهيكلة الاقتصادية العالمية تشجع الركود في عرض السلع والخدمات الضرورية في حين تعيد توجيه الموارد نحو الاستثمارات المجزية في اقتصاد السلع الترفيهية، وفضلا عن هذا فمع نضوب تكوين رأس المال في الأنشطة الإنتاجية يتم البحث عن الربح بصورة متزايدة في صفقات مضاربة وغش تتجه بدورها إلى تشجيع تمزق الأسواق المالية العالمية، وهكذا قامت أقلية اجتماعية ذات امتيازات في الجنوب والشرق والشمال بتجمع ثروات هائلة على حساب الأغلبية العظمى من السكان، وفضلا عن هذا تجري عملية تراكم الثروة بصورة متزايدة خارج الاقتصاد الحقيقي، منفصلة عن الأنشطة الإنتاجية والتجارية المستقيمة.

Advertisements