عرض لكتاب فخ العولمة

كتاب ” فخ العولمة” من أهم الكتب التي ناقشت هذا الموضوع المطروح كمصطلح طحلبي ( الطحالب محرومة من الجذور) الى جانب العديد من المصطلحات الطحلبية التي يفرض تداولها بفعل آلة إعلامية مهيمنة. ولقد تجلت أهمية هذا الكتاب بنجاحه الفائق. ذلك النجاح منقطع النظير الذي لقيه في ألمانيا. حيث طُبع تسع مرات في عام واحد منذ أن صدرت طبعته الأولى باللغة الألمانية، في برلين عام 1996 عن دار روفولت Rowohlt . والحقيقة أن الميزة الأساسية التي تميّز بها هذا الكتاب، هي تلك المقدرة اللافتة للنظر التي يمتلكها مؤلفا الكتاب، على تبسيط وشرح واستخلاص أعقد الأمور والقضايا، والنتائج التي تنطوي عليها قضية العولمة Globalization ، وهي القضية التي كثر الحديث عنها- فجأة- ليس فقط على المستوى الأكاديمي، وإنما أيضاً على مستوى أجهزة الإعلام والرأي العام والتيارات السياسية والفكرية المختلفة. ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن هناك الآن سيلاً أشبه بالطوفان في الأدبيات التي تتحدث عن هذا الموضوع. ولم يعد الأمر يقتصر على مساهمات الاقتصاديين وعلماء السياسة أو المهتمين بالشؤون العالمية، بل تعدى الأمر ليشمل مساهمات الاجتماعيين والفلاسفة والإعلاميين والفنانين، وعلماء البيئة والطبيعة000 إلى آخره. ولا غرو في ذلك، لأن قضية العولمة لها من الجوانب والزوايا الكثيرة ما يثير اهتمام كل هؤلاء. ولكن وسط هذا الكم الهائل من الكتابات عن العولمة، يكاد المرء أن يحار في كيفية الإلمام بهذا الموضوع أو فهم حقيقته، خاصة أن كل كاتب عادة ما يركز تحليله على جانب معين من العولمة، مثل الجانب الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي أو الإعلامي000 إلى آخره. ولهذا أصبح يوجد الآن ما يشبه التخصص في تناول قضية العولمة، ومن النادر أن نجد مرجعاً محترماً يتناولها من جميع جوانبها، دون أن يكون ذلك على حساب المستوى العلمي أو العمق في التحليل. بيد أن كتاب هانس بيترمارتن وهارالد شومان يجيء استثناء في هذا المجال، لأنهما استطاعا بجدارة أن يحيطا بقضية العولمة من جوانبها المختلفة ومن خلال رؤية عميقة، ثاقبة، موسوعية، واعية وذات نزعة إنسانية نحن في أمس الحاجة إليها عند تناول هذه ا لقضية، بعد أن أفسد التكنوقراط والاقتصاديون ضيقو الأفق الفهم الحقيقي لها، من خلال الطابع الدعائي والسطحي الذي اتسمت به معظم كتاباتهم في هذا الموضوع. ومهما يكن من أمر، فسوف يلاحظ القارئ بعد مطالعته لهذا الكتاب القيم، أن المؤلفين قد طرحا مجموعة من الطروحات المهمة التي تستحق التأمل والتفكير لفهم قضية العولمة من منظور يختلف عن المنظور الزائف الذي غالباً ما تطرحه علينا وسائل الإعلام المختلفة. وأول هذه الطروحات هو أن العولمة، من خلال السياسات الليبرالية الحديثة التي تعتمد عليها، إنما ترسم لنا صورة المستقبل بالعودة للماضي السحيق للرأسمالية. فبعد قرن طغت فيه الأفكار الاشتراكية والديموقراطية ومبادئ العدالة الاجتماعية، تلوح الآن في الأفق حركة مضادة تقتلع كل ما حققته الطبقة العاملة والطبقة الوسطى من مكتسبات. وليست زيادة البطالة، وانخفاض الأجور، وتدهور مستويات المعيشة، وتقلص الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة، وإطلاق آليات السوق، وابتعاد الحكومات عن التدخل في النشاط الاقتصادي وحصر دورها في “حراسة النظام”، وتفاقم التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين المواطنين- وهي الأمور التي ترسم الآن ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية في غالبية دول العالم- كل هذه الأمور ليست في الحقيقة إلاّ عودة لنفس الأوضاع التي ميزت البدايات الأولى للنظام الرأسمالي إبان مرحلة الثورة الصناعية (1750- 1850). وهي أمور سوف تزداد سوءاً مع السرعة التي تتحرك بها عجلات العولمة المستندة إلى الليبرالية الحديثة. وتبدو قتامة المستقبل الذي سيكون صورة من الماضي المتوحش للرأسمالية في فجر شبابها، إذا ما سارت الأمور على منوالها الراهن، حينما يشير المؤلفان إلى أنه في القرن القادم سيكون هناك فقط 20% من السكان، الذين يمكنهم العمل والحصول على الدخل والعيش في رغد وسلام. أما النسبة الباقية (80%) فتمثل السكان الفائضين عن الحاجة، الذين لن يمكنهم العيش إلاّ من خلال الإحسان والتبرعات وأعمال الخير. وإزاء هذا التدهور الحادث في أوضاع العمال والطبقة الوسطى ومختلف الشرائح الاجتماعية محدودة الدخل، راح المؤلفان يتحدثان عما يسمى “بدكتاتورية السوق والعولمة”، وذلك على ضوء ما يروج له منظرو العولمة من أفكار ومقولات وسياسيات. فقد دأب هؤلاء المنظرون على إطلاق تعميمات ذات طابع غير ديموقراطي وشمولي وغير مبرر علمياً، كالقول مثلاً :”إن مراعاة البعد الاجتماعي واحتياجات الفقراء أصبحت عبثاً لا يطاق”، و “إن دولة الرفاه تهدد المستقبل، وإنها كانت مجرد تنازل من جانب رأس المال إبان الحرب الباردة، وإن ذلك التنازل لم يعد له الآن ما يبرره بعد انتهاء هذه الحرب”. أو القول مثلاً :”على كل فرد أن يتحمل قدراً من التضحية حتى يمكن كسب المعركة في حلبة المنافسة الدولية”. أو الادعاء، “بأن شيئاً من اللا مساواة بات أمراً لا مناص منه”. وقد وجدت هذه الأفكار انعكاسها الواضح في السياسات الاقتصادية الليبرالية، التي تطبق الآن في مختلف دول العالم دون مشاركة الناس أو موافقتهم على تلك السياسات. وفي ضوء التوحد الذي أصبح يجمع بين مصالح أصحاب رؤوس الأموال بشكل لافت للنظر، يعتقد المؤلفان، أن هناك الآن ما يمكن أن يسمى ب”أممية رأس المال”. فهم يهددون بهروب رؤوس أموالهم ما لم تستجب الحكومات لمطالبهم. وهي مطالب عديدة، مثل منحهم تنازلات ضريبية سخية، تقديم مشروعات البنية التحتية لهم مجاناً، إلغاء وتعديل التشريعات التي كانت تحقق بعض المكاسب للعمال والطبقة الوسطى، مثل قوانين الحد الأدنى للأجور ومشروعات الضمان الاجتماعي والصحي، وإعانات البطالة، وبما يقلل لهم مساهماتهم المالية في هذه الأمور، وخصخصة المشروعات العامة، وتحويل كثير من الخدمات العامة التي كانت تقوم بها الحكومات، لكي يضطلع بها القطاع الخاص، وإضفاء الطابع التجاري عليها000إلى آخره. ويشير المؤلفان إلى أن انهيار “النموذج الاشتراكي” في الاتحاد السوفييتي وفي دول وسط وشرق أوروبا، قد ساعد على انتشار هذه الأممية التي لم تعد تعبأ بشيء إلاّ الربح. وينتقد المؤلفان الحجة التي يروجها بعض منظري العولمة، والتي تقول : إن هذه العولمة ذات الاتجاه الليبرالي المغرق في التطرف، هي من قبيل الحتميات الاقتصادية والتكنولوجية الشبيهة بالأحداث الطبيعية التي لا يمكن الوقوف في وجهها. ويعتقدان- على العكس من ذلك- بأن هذه العولمة إن هي إلاّ نتيجة حتمية خلقتها سياسات معينة، بوعي وإرادة الحكومات والبرلمانات التي وقعت على القوانين التي طبقت السياسات الليبرالية الجديدة، وألغت الحدود والحواجز أمام حركات تنقل السلع ورؤوس الأموال، وسحبت المكاسب التي حققها العمال والطبقة الوسطى، وانتهاء بالتوقيع على اتفاقية منظمة التجارة العالمية (الجات) التي ستتولى توقيع العقوبات على من لا يذعن لسياسة حرية التجارة، ففي كل هذه الأمور لم تكن هناك حتميات لا يمكن تجنبها، بل إرادات سياسية واعية بما تفعل وعبرت عن مصلحة الشركات دولية النشاط. ومن القضايا المهمة التي ناقشها المؤلفان، القضية التي تزعم أن العولمة قد أدت إلى انصهار مختلف الاقتصادات القروية والوطنية والإقليمية في اقتصاد عالمي موحد، بعد أن “صار العالم سوقاً واحدة”، وأن التجارة العالمية تبدو وكأنها في نمو مطرد يستفيد منه الجميع، بعد أن “غدا العالم قرية كونية متشابهة” ينمو ويتلاحم بجميع أجزائه، وخاصة بعد الدور الذي لعبته الأقمار الصناعية وشبكة الإنترنيت ومختلف أشكال ثورة الاتصالات. ويشير المؤلفان، إلى أنه بخلاف “التوحد التلفزيوني” الذي يربط بين من يعيشون في أفريقيا وآسيا وكاليفورنيا، وبخلاف بضع مدن تتركز فيها وسائل الصناعة الحديثة والتقنيات العالية، وتتصل ببعضها البعض وبالعالم الخارجي أكثر من اتصالها بالبلاد التي تنتمي إليها، فإن الجزء الأعظم من العالم يتحول، خلافاً لذلك، إلى جزر منفصلة، وإلى عالم بؤس وفاقة، ويكتظ بالمدن القذرة والفقيرة. ويشيران في هذا الخصوص، إلى أن مساعدات التنمية التي كانت تعطى للبلاد النامية قد أصبحت في خبر كان، وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وموت حوار الشمال والجنوب ودخول الدول النامية النفق المسدود للمديونية الخارجية. ومن الطروحات المهمة التي يعرضها المؤلفان، أنه مع نمو العولمة يزداد تركز الثروة، وتتسع الفروق بين البشر والدول اتساعاً لا مثيل له. فالمؤلفان يشيران إلى أن 358 مليارديراً في العالم يمتلكون ثروة تضاهي ما يملكه 2.5 مليار من سكان المعمورة، أي ما يزيد قليلاً على نصف سكان العالم. وأن هناك 20% من دول العالم تستحوذ على 85% من الناتج العالمي الإجمالي، وعلى 84% من التجارة العالمية، ويمتلك سكانها 85% من مجموع المدخرات العالمية. وهذا التفاوت القائم بين الدول يوازيه تفاوت آخر داخل كل دولة، حيث تستأثر قلة من السكان بالشطر الأعظم من الدخل الوطني والثروة القومية، في حين تعيش أغلبية السكان على الهامش. وهذا التفاوت الشاسع في توزيع الدخل والثروة سواء على الصعيد العالمي أو على الصعيد المحلي، لم يعد بالأمر المزعج، بل بات في رأي منظري العولمة مطلوباً في حلبة التنافس العالمي الضاري. ويشير مؤلفا الكتاب، إلى أنه مع تسارع عمليات العولمة، فإن بعض المصطلحات المهمة التي شغلت ساحات الفكر والعمل طويلاً، مثل “العالم الثالث” و “التحرر” و “التقدم” و “حوار الشمال والجنوب”و “التنمية الاقتصادية”، ولم يبق لها في دنيا العولمة أي معنى، خاصة أن “العالم المتقدم” أصبح يتجاهل على نحو خطير مشكلات البلاد النامية، وبشكل خاص مشكلات القارة الإفريقية الفقيرة. ويعتقد المؤلفان أن “نموذج الحضارة” الذي ابتكره الغرب لم يعد صالحاً لبناء المستقبل، أي لبناء مجتمعات قادرة على النمو والانسجام مع البيئة وتحقيق التوزيع العادل للثروة والدخل. وهما يعتقدان أن الدعاية المفرطة لهذا لنموذج كانت جزءاً من الحرب الباردة، ولهذا فإنه (أي هذا النموذج) يجب أن يوضع في متحف الأسلحة القديمة. وتسود الآن، حسب اعتقادهما، عملية تحول تاريخي بأبعاد عالمية واضحة ينعدم فيها التقدم والرخاء، ويسود التدهور الاقتصادي والتدمير البيئي والانحطاط الثقافي، في ضوء “حضارة التنميط” التي تسعى العولمة لفرضها. ويظل الفصل الثالث الذي خصصه المؤلفان للكلام عن صندوق النقد الدولي والأسواق النقدية العالمية من أمتع وأهم فصول الكتاب. فقد ارتبطت العولمة المستندة إلى الفلسفة الليبرالية الحديثة بتحرير الأسواق المالية والنقدية، بالتخلي عن معظم الضوابط التقليدية التي كان تسيّر العمل المصرفي والنظم النقدية لعهود طويلة. وكان من نتيجة ذلك أن الكتلة النقدية في ضوء عمليات التحرير هذه، لم تعد خاضعة بالمرة للسلطة النقدية المحلية (وهي البنك المركزي). فعمليات دخول وخروج الأموال، على نطاق واسع، وبالمليارات، تتم في ومضات سريعة على شاشات الكومبيوتر، وعلى نحو جعل السلطة النقدية تقف عاجزة عن الدفاع عن أسعار الصرف وأسعار الفائدة وأسعار الأوراق المالية في البورصات. وهكذا تحول العالم إلى رهينة في قبضة حفنة من كبار المضاربين الذين يتاجرون بالعملات والأوراق المالية، مستخدمين في ذلك مليارات الدولارات التي توفرها البنوك وشركات التأمين وصناديق الاستثمار الدولية وصناديق التأمين والمعاشات. وقد أشار المؤلفان في هذا السياق إلى عدد من الحالات والأزمات التي سببها هؤلاء المضاربون، والتي أصبحت تشير إلى مقدرتهم الفائقة على التحكم في رفاهية أو فقر أمم ودول برمتها، دون أن توجد أي سلطة، محلية أو عالمية، لمحاسبتهم أو ردعهم. وينفي المؤلفان هنا فكرة أو نظرية المؤامرة في هذا المجال. فليست هناك- في رأيهما- تحالفات يُعتد بها بين هؤلاء المتكالبين على جني الأرباح لتخفيض قيمة العملة في هذا البلد أو ذاك، أو لرفع أسعار الأوراق المالية أو لخفضها في هذه البورصة أو تلك. كلا000 فما يحدث الآن على ساحة الأسواق النقدية والمالية، هو النتيجة الطبيعية والمنطقية للسياسات والقوانين التي شجعتها وأقرتها حكومات الدول الصناعية الكبرى، تحت ما سُمّي ب”تحرير الأسواق المالية والنقدية”، وهي العمليات التي سرعان ما أجبر صندوق النقد الدولي مختلف دول العالم على تطبيقها، بإطلاق سعر صرف عملتها، وانفتاحها التام على السوق المالي العالمي. وهذا الانفتاح يجبر هذه الدول على التنافس في تخفيض الضرائب وتقليص الإنفاق الحكومي، وخصخصة مشروعات الدولة، والتضحية بالعدالة الاجتماعية. وكل ذلك يتم الترويج له على أساس أنه ينسجم مع المصلحة العامة كلية. وهكذا تتحول الدعوة للانفتاح على السوق النقدي والمالي العالمي، إلى أيديولوجية صارمة يجب أن يخضع لها الجميع، وإلاّ فقانون الغاب سيتكفل بالعقاب. وكل دول العالم تقريباً أخذت- تحت تأثير الضغوط التي تمارسها عليها المنظمات الدولية- في تطبيق سياسات الانفتاح المعولم. وقد أشار المؤلفان في هذا السياق إلى نقطة مهمة لا يلتفت إليها عادة غالبية الكتاب، وهي أنه حينما يبدأ البلد في الانصياع لتلك السياسات، والخضوع لمنطق أسواق النقد والمال العالمية، ينضم الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال من أبناء البلد إلى قائمة المقيّمين للسياسات الاقتصادية في بلدهم. وكيف لا يحدث هذا، وهم الآن بوسعهم استثمار أموالهم في أي مكان في العالم؟ وتناول المؤلفان قضية على جانب كبير من الأهمية، ولها علاقة وثيقة بالعولمة، ألا وهي قضية النمو المطرد للبطالة، وما يرتبط بها من تقليص في قدرة المستهلكين واتساع دائرة المحرومين. فتحت تأثير الركض المحموم وراء الأرباح المرتفعة التي أصبحت تتحقق في الأسواق النقدية والمالية، راحت جميع القطاعات تتنافس وتتصارع من أجل خفض كلفة الإنتاج. وكان التنافس ضارياً والضغط شديداً على عنصر العمل للوصول ببند الأجور إلى أدنى مستوى ممكن. ولم يعد الأمر يقتصر على ذوي الياقات الزرقاء الذين أبعدوا عن أعمالهم بعد أن حلت الآلات الحديثة والمتطورة مكانهم في مواقع الإنتاد المادي، بل امتد الأمر ليشمل أيضاً ذوي الياقات البيضاء (مهن الطبقة الوسطى) حيث تولت عمليات إعادة هندسة عنصر العمل، والاستخدام الموسع لأجهزة الكومبيوتر، مهمة الاستغناء عن عشرات الآلاف من الوظائف والمهم التي كان يقوم بها هؤلاء. وكانت “مذبحة العمالة” قاسية جداً في البنوك وشركات التأمين. بل إن المؤلفين يشيران إلى أنه حتى في قطاع صناعة برامج الكومبيوتر، بدأت كبرى الشركات المتخصصة في هذا المجال (مثل، Hewlett, IBM, Motorola, Pakard )، في إحلال العلماء الهنود ذوي المرتبات المتدنية مكان العلماء الأميركيين. وحينما ضايقتهم الحكومة الأميركية في هذا السلوك، قامت هذه الشركات بنقل جزء من أنشطتها إلى نيودلهي. وهكذا، سواء تعلق الأمر بصناعة الصلب أو السيارات، أو المواد الكيماوية أو الأجهزة الإلكترونية أو بالبريد أو بشبكة الاتصالات الهاتفية، أدت حرية انتقال السلع ورؤوس الأموال عبر الحدود، دون أي قيود، إلى العصف بالعمالة والإطاحة بها بعيداً إلى الشوارع الخلفية للبطالة. ويرى المؤلفان، انطلاقاً من هذا، أن المنافسة المعولمة أصبحت “تطحن الناس طحناً”، و “تدمر التماسك الاجتماعي”، وتعمل على تعميق التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين الناس. وقد أولى المؤلفان قضية العلاقة بين الديموقراطية والسوق أهمية خاصة، وهي العلاقة التي يعتقد مروّجو قيم العولمة أن طرفيها متلازمان لا يفترقان. حيث يرون أن الديموقراطية تتطلب السوق، كما أن السوق يتطلب الديموقراطية. لكن المؤلفين يعتقدان أن اقتصاد السوق والديموقراطية ليسا هما الركنين المتلازمين دوماً، واللذين يعملان بانسجام لزيادة الرفاه للجميع، وأن الأمر الأقرب إلى الحقيقة هو التعارض بين الديموقراطية والسوق. ويستندان في ذلك إلى خبرة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، التي تجري الآن في مختلف بلاد العالم في ضوء السياسات الليبرالية الجديدة التي تستند عليها العولمة. فالديموقراطية التي يُجري الدفاع عنها الآن هي تلك التي تدافع عن- وتحمي- مصالح الأثرياء والمتفوقين اقتصادياً، وتضر بالعمال وبالطبقة الوسطى، وهو ما نراه في الدعوة للتخفيض المستمر للأجور وزيادة ساعات العمل، وخفض المساعدات والمنح الحكومية تحت حجة “تهيئة الشعوب لمواجهة سوق المنافسة الدولية”. ويرى المؤلفان أن إبعاد الدولة عن التدخل في الحياة الاقتصادية، وتجاهل البعد الاجتماعي، تحت دعوى أن “السوق ينظم نفسه بنفسه”، وأن كل امرئ يأخذ بحسب إنتاجيته، ما هي إلاّ أوهام ستؤدي إلى تدمير الاستقرار الاجتماعي الذي عرفته الدول الرأسمالية الصناعية في عالم ما بعد الحرب، إبان عصر دولة الرفاه. كما يشيران إلى أن الديموقراطية الحقة تمارس فقط حينما يكون الناس في مأمن ضد غوائل الفقر والمرض والبطالة، وأنه مالم يتحقق الاستقرار والتقدم في حياة الناس، فسيبقى الناس مهددين بأن تحكمهم نظم تسلطية. ويعتقد المؤلفان أن ديموقراطية العولمة التي تنحاز بشكل مطلق للأغنياء هي المسؤولة الآن عن كثير من مظاهر التوترات الاجتماعية المتصاعدة في مختلف أصقاع المعمورة (مثل العداء للأجانب في البلدان الصناعية المتقدمة، تهميش الفئات المستضعفة وما ينجم عن ذلك من آثار، نمو النزعة الشوفينية، التظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات الجماهيرية، مقاطعة الانتخابات، نمو الجريمة والعنف وانتشار المخدرات000 إلى آخره). صحيح، أن تكامل الأسواق عالمياً، وحرية التجارة، وضمان تنقل السلع ورؤوس الأموال دون حواجز000 من شأنها أن تزيد من الدخول القومية للبلاد الصناعية المتقدمة، إلاّ أن التوزيع الملائم لمكاسب هذه الزيادة، وبما يضمن إشراك غالبية المواطنين فيها، لا يمكن أن يتم ما لم تتدخل الدولة. وسيكون عدد الخاسرين في هذه البلاد أكبر بكثير من عدد الرابحين في غيبة هذا التدخل. ولهذا يعتقد المؤلفان أن عجلة العولمة لا يمكن أن تستمر في الاندفاع، دون وجود ما يسمى ب”التكافل الاجتماعي” الذي ترعاه الدولة. ويريان أن وجود نظام حكومي يرعى هذا التكافل، هو الضمانة الأكيدة لاستمرار التأييد الواسع الذي لا يزال يمنحه المواطنون في البلدان الصناعية لنظام السوق. ومع ذلك، لا يقع المؤلفان في وهم إمكان العودة “لبهجة” عصر الستينيات وأوائل السبعينات، حينما سادت دولة الرفاه، وكانت الدولة تتمتع باستقلالية نسبية تمكنها من تبني السياسات المالية والنقدية، التي تضمن تحقيق قدر معقول من العدالة الاجتماعية، وتتيح لها التخفيف من وطأة التقلبات الاقتصادية Business Cycles. فعالم اليوم بما فيه من تعاظم في علاقات التشابك التجاري والنقدي، ومن تعميق لدرجة تقسيم العمل الدولي، ومن إضعاف للسلطة الاقتصادية للدولة، يجعل مثل هذه العودة مستحيلة. لكنهما ينبهان إلى ضرورة العمل للتحرك لتوجيه التنافس عالمياً، وبما يخدم الجانب الاجتماعي والديموقراطي في حياة الأمم. ويؤيدان في هذا السياق، الضريبة التي اقترحها جيمس توبن James Tobin على مبيعات النقد الأجنبي وعلى القروض الأجنبية، وتخفيض سعر الفائدة، وإصلاح النظام الضريبي، وتطوير نظم التأمينات الاجتماعية، وإدخال إصلاحات جذرية تضمن توسيع النظام التعليمي وترفع من جدارته، وإجراء تعديلات هيكلية تمكن من لمحافظة على البيئة. لكن المشكلة الأساسية هنا، تتمثل في غياب الحكومات القادرة على اتخاذ زمام المبادرة لإجراء هذه الإصلاحات، للوقوف في وجه العولمة المنفلتة، من دون أن تعاقب على هذه الإصلاحات، بهروب رؤوس الأموال منها. وهما لا يعتقدان أن المبادرة في هذا الخصوص يمكن أن تأتي من الولايات المتحدة، وإنما من الممكن أن تأتي من أوروبا. وهذا يعني أنه يتعين على دول الاتحاد الأوروبي أن تقدم خياراً أوروبياً يضاهي العقيدة الليبرالية الأنجلوساكسونية المتطرفة. وهذا الخيار يمكن- حسب اعتقادهما- أن يكون مزيجاً من الأفكار والسياسات التي نادى بها جون ماينرد كينز ولودفيج إيرهارد، وليس الأفكار والسياسات التي نادى بها فريدرش فون هايك وميلتون فريدمان. وبالرغم من أن نذر قيام حرب عالمية ثالثة مدمرة قد ضعفت تماماً بعد انتهاء الحرب الباردة، فإن الخطر الذي تفرزه الرأسمالية المعولمة من جراء هذا التطور الفوضوي في البورصات والأسواق النقدية العالمية، يعد أشد خطراً إذا ما حدث انهيار اقتصادي عالمي بسبب ضعف وهشاشة ضوابط الرأسمالية على صعيدها العالمي وغياب ضوابطها على الصعيد المحلي. ويتوقع المؤلفان أنه في ضوء هذه المخاطر المتوقعة، سيتحول حكام البلدان الصناعية المتقدمة الذين يغالون الآن في الدعوة إلى “العولمة المتحررة تماماً من أي قيود” بين ليلة وضحاها، إلى الدفاع عن الحماية والأسواق الوطنية و الانكفاء على الذات. وما أصدق قول أومبرتو أحبللي المدير السابق لشركة فيات الإيطالية عندما ذكر :”حينما تبلغ التكاليف الاجتماعية للتكيف مع السوق العالمية حداً لا يطاق ستزدهر عقلية الانكفاء على الذات في مختلف دول العالم”. ولم ينس المؤلفان أن يشيرا إلى مختلف أشكال النضال التي تتم الآن لتحقيق الديموقراطية المضادة لديكتاتورية الأسواق المعولمة، والمواجهة لبرامج الأحزاب اليمينية الرامية لهدم دولة الرفاه والتضامن الاجتماعي. فهناك الملايين من المواطنين الأوروبيين الذين يطالبون، بطريقة أو بأخرى، بوقف جنون السوق العالمية، ومراعاة إنسانية الإنسان، وحماية البيئة والعدالة الاجتماعية. وهو ما ينعكس في النشاط الواعي لأحزاب الخضر، والاتحادات النقابية، واتحادات النساء والطلبة والشبيبة، وفي حركات اللاهوت السياسي، وجماعات التضامن مع المهاجرين ومع البلاد النامية000 إلى آخره. ومن الأفكار المهمة التي طرحها المؤلفان في هذا السياق، أن العدالة الاجتماعية مسألة لا تقررها السوق، بل هي مسألة تتوقف على القوى الاجتماعية التي تناضل من أجلها. ولهذا يؤكد المؤلفات أن الإضرابات العمالية الواسعة التي تشهدها فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا وغيرها ضد الخصخصة والتهميش، هي علامات مضيئة على الدرب الصحيح. وأياً كان الأمر، فإنه بالرغم من موجة النقد العنيف التي قادها مؤلفا هذا الكتاب لفوضى العولمة، وطغيانها المدمر للعدالة الاجتماعية والاستقرار الاجتماعي، وإساءتها للبيئة، فإنهما لم يستخدما النتائج التي توصلا إليها لطرح تصور سياسي راديكالي بديل، بل هما في الحقيقة يدعوان لإعادة طرح “مشروع دولة الرفاه”، ولكن في صيغة معدلة. وهذا ما يبدو واضحاً في أفكار عشر أساسية طرحاها في نهاية الكتاب، وهي الأفكار التي يعتقدان أنها كفيلة بأن تمنع قيام “مجتمع العشرين في المائة”، وتحقق العدالة الاجتماعية والاستقرار وتحمي البيئة. وهي أفكار يغلب عليها الطابع الكينزي والديموقراطي والعقلاني والإنساني بشكل عام.

رابط التحميل

Advertisements
%d bloggers like this: