بالوثائق: “إسرائيل” تخترق أفريقيا “من الثقافة.. إلى الأمن مروراً بالاقتصاد” بقلم رفعت سيد أحمد

بقلم : د. رفعت سيد أحمد

في غمرة انشغال العالم أجمع بتداعيات الحرب العالمية الثالثة التي تجرى أحداثها الدامية في العراق والخليج العربي تتوغل “إسرائيل” ووفق خطط استراتيجية طويلة المدى في القارة الأفريقية لتهدد وبقوة الأمن القومي العربي ولتحاصر كل إمكانات المساندة للقضايا العربية العادلة.

رصدت العديد من الوثائق الدولية والعربية ملامح هذا الخطر الصهيوني المتنامي وكان لأول تقرير استراتيجي أفريقي صادر من القاهرة عن معهد البحوث والدراسات الأفريقية الدور الأبرز في كشف هذه الاختراقات الصهيونية للقارة خاصة في الآونة الأخيرة مستغلة أجواء العدوان الأمريكي على الخليج والعراق، وانشغال العالم به وبما يسمى بـ الإرهاب الإسلامي ولم يترك الإسرائيليون مجالاً إلا وحاولوا اختراقه وتوظيفه لمصلحتهم الاستراتيجية، بدءاً بالاقتصاد ومروراً بالثقافة وانتهاء بالأمن وصناعة السلاح والتجارة فيه.

ونظراً لأهمية هذه الجوانب مجتمعة، فإننا سنحاول تفصيلها بإيجاز استناداً إلى المعلومات القيمة والحديثة التي قدمها التقرير الاستراتيجي الأفريقي المتميز في الجزء الخاص بالعلاقات الإسرائيلية – الأفريقية والذي وضعه ولا شك باحث متمكن يستحق التقدير والإشادة وللأسف لم يذكر التقرير اسمه.

الاختراق الاقتصادي

تحدثنا الحقائق الجديدة والعديد من التقارير الدولية وفي مقدمتها التقرير الاستراتيجي الأفريقي أن “إسرائيل” تسيطر في علاقاتها الاقتصادية واستثماراتها المباشرة في أفريقيا على قطاعات اقتصادية محددة، فإلى جانب امتلاك وإدارة بعض المزارع، نجد أن “إسرائيل” استهدفت السيطرة على قطاع الصناعة الاستخراجية، حيث ركزت استثماراتها في استغلال الثروات الطبيعية الأفريقية وأهمها الماس في كل من الكونغو الديمقراطية وسيراليون وغانا وأفريقيا الوسطى واليورانيوم في النيجر، وإلى جانب الاستثمار المباشر الإسرائيلي في هذه الصناعات بشكل منفرد، فإنها قد لجأت إلى الدخول في مشاركة مع رأس المال الأجنبي الوافد إلى الدول الأفريقية بما لا يفوت عليها فرصة الاستثمار في تلك الصناعات الحيوية وتأتي أهمية الاستثمار في النشاط التعديني، أن هذه المعادن تمثل موارد اقتصادية قابلة للنفاد، فضلاً عن المحدودية النسبية للمعروض منها على المستوى العالمي، وأن المضاربة على المعادن النفيسة في أسواق المال العالمية في ظل وجود وفرة نسبية منها في “إسرائيل” بالإضافة إلى السيطرة المباشرة على الاستخراج من الحقول الأفريقية يمكن أن يحقق معه أرباحاً عالية.

وتأتى مجالات الاستثمار المشترك مع رأس المال الغربي في مجالات استخراج القصدير في الكاميرون، الكروم في سيراليون، الكوبالت في الكونغو الديمقراطية، البوكسيت في الكاميرون، الرصاص والزنك في الكونغو، وهو ما يفسر اهتمام “إسرائيل” البالغ بالأسواق الخارجية ومنها الأسواق الأفريقية.

وعلى الرغم من تضاؤل الأهمية النسبية لأفريقيا في تجارة “إسرائيل” الخارجية، فإن ذلك لا يعنى عدم الأهمية لأفريقيا بالنسبة لإسرائيل، حيث يمكن تبرير ذلك انخفاض الأهمية النسبية لأفريقيا بعوامل عديدة أهمها انخفاض القدرة الشرائية الدخلية للدول الأفريقية، إلا أن تجارة “إسرائيل” تتم مع بعض الدول الأفريقية بشكل غير معلن.

اتجه معدل التغطية الصادرات – الواردات لصالح “إسرائيل” في تجارتها مع أفريقيا، حيث بلغت نسبة التغطية 6.87% في عام 1994، بينما بلغت هذه النسبة 122% في عام 1997 وفي عام 2000 بلغت هذه النسبة 146%، وزادت في أعوام 2002 و2003 إلى ما يقترب من 148% أي أن ميزان التجارة الإسرائيلي ـ الأفريقي يتجه في صالح “إسرائيل”.

تحتل جنوب أفريقيا المركز الأول في علاقات “إسرائيل” التجارية مع أفريقيا تليها مصر وكينيا، مع ظهور دول أفريقية كمصدر للواردات الإسرائيلية مثل الجابون دون ظهورها كسوق للصادات، في حين تظهر دول أخرى كسوق للصادرات الإسرائيلية مثل: موريتانيا – تنزانيا دون أن تكون مصدراً للواردات الإسرائيلية.

الملاحظة الأكثر أهمية في هذا المجال هو الحجم الكبير نسبياً للصادرات الإسرائيلية لدول أفريقيا غير المصنفة أو أخرى 7.24 من صادرات “إسرائيل” لأفريقيا عام 1994، 2.16% لعام 2000 ويعني ذلك أن صادرات “إسرائيل” مع الدول الأفريقية غير المعلنة يفوق صادراتها إلى كل الدول الأفريقية الواردة بالجدول باستثناء جنوب أفريقيا – مصر – كينيا وهو ما يعني أن جزءاً كبيراً من صادرات “إسرائيل” لأفريقيا يتم مع جهات غير معلنة، ويمكن تفسير ذلك بوجود علاقات تجارية وطيدة مع بعض الدول الأفريقية غير المعلنة، وأن هذه التجارة غالباً ما تشتمل على سلع ذات طبيعة استراتيجية وأمنية السلاح والتي تمثل جانباً هائلاً من تجارة “إسرائيل” مع القارة الأفريقية.

تصعيد التوتر الداخلي

تعتبر إثارة الصراعات الإقليمية، أحد أساليب العمل السياسي التقليدي التي اعتادت “إسرائيل” على انتهاجها، من أجل تحقيق أهدافها في أفريقيا ومن أهم الأمثلة على ذلك ما ذكره التقرير الاستراتيجي الأفريقي عن الدور الإسرائيلي في تصعيد الصراع في جنوب السودان، والحرب الأهلية في أنجولا، والصراع اليمني – الإريتري، وصراعات منطقة البحيرات العظمى في رواندا والكونغو الديمقراطية.. إلخ، سواء من خلال تزويد أحد طرفي الصراع أو الطرفين معاً بالسلاح، والمعلومات، والتدريب، والخبراء العسكريين، أو العمل على إفساد جهود التسوية السياسية من خلال الإيعاز لأطراف الصراع بضرورة الاستمرار في القتال مع التعنت في شروط التفاوض.

وقد شهد عام 2002 إحياء لهذا الأسلوب الإسرائيلي تمثل في تصعيد التوتر بين اليمن وإريتريا حول الحدود المائية مرة أخرى، بعد أن كان الصراع الذي نشب بين الدولتين عام 1996 عقب احتلال إريتريا لجزيرتي حنيش، قد تمت تسويته عام 1998 بموجب قرار هيئة التحكيم الدولي، الذي ألزم إريتريا بالانسحاب من الجزيرتين، غير أن الأوضاع بين البلدين قد أخذت في التصاعد حيث حشد البلدان حشوداً عسكرية كبيرة في أرخبيل حنيش، كما وقع تبادل خفيف لإطلاق النار بين الدولتين.

وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها اليمن لحل النزاع والحيلولة دون حدوث أية مواجهات، إلا أن إريتريا أظهرت – وفقاً لما أكدته مصادر سياسية تنتمي للتنظيم الشعبي الناصري اليمني – تعنتاً واضحاً إزاء المساعي السلمية اليمنية، وقد أرجع بعض المحللين ذلك الموقف الإريتري إلى دور “إسرائيل” في إدارة الصراع، بالإيعاز إلى إريتريا بالعمل على تصعيد الخلاف، والسير بالقضية في اتجاه العمل العسكري، لإشعال فتيل الحرب في المنطقة، لخدمة أهدافها الرامية إلى الحصول على نفوذ واسع في البحر الأحمر عن طريق النظام الإريتري.

أما عن الأساليب غير التقليدية فقد ذكر التقرير الاستراتيجي الأفريقي أن “إسرائيل” عمدت – ولا تزال – إلى تنويع أساليب التسلل إلى أفريقيا، وذلك باعتمادها أساليب غير تقليدية بجانب الأساليب التقليدية ومن أهمها استخدام شركات الأمن والمسئولين السابقين في الجيش وأجهزة الاستخبارات والحكومات الإسرائيلية السابقة وتفصيل ذلك على النحو الآتي:

شركات الأمن: وبالنسبة لشركات الأمن يمكن التمييز بين نوعين من هذه الشركات::

شركات المرتزقة: ومن أبرز هذه الشركات: شركة ليف دان وشركة الشبح الفضي حيث يخشى الرؤساء الأفارقة من قواتهم المسلحة نفسها، ومن ثم يلجأ العديد من هؤلاء الرؤساء إلى تكوين ميليشيات قبلية لتأمين أنفسهم، حيث تتولى شركات المرتزقة الإسرائيلية تدريب وتسليح الكثير من هذه الميليشيات، وفي الكونغو على سبيل المثال، قامت شركات مرتزقة إسرائيلية بتدريب وتسليح الحرس الخاص بالرئيس السابق دينيس ساسو نوجوسو، في حين تعاقد خلفه ليسوبا مع شركة ليف دان الإسرائيلية لتدريب وتسليح ميليشياته من الزولو الجنوب أفريقيين، أما غريمهم الثالث برنار كولايلاس فقد تعاقد مع شركة مملوكة ليهود لتدريب وتسليح قواته التي أسماها النينجا.

أما الشركات التي تتولى تنفيذ المخططات الإسرائيلية في أفريقيا: ومن أهمها شركة بول باريل للأسرار، وشركة آباك وهما شركتان فرنسيتان مملوكتان لعناصر يهودية، حيث تتبنى “إسرائيل” سياسة تهدف إلى إشعال وتصعيد الصراعات في أفريقيا، وذلك بهدف إسقاط أنظمة تسعى للتقارب مع الدول العربية من ناحية وإحكام السيطرة السياسية والاقتصادية الإسرائيلية على هذه الدول من ناحية أخرى، وليس خافياً في هذا المقام الدور الإسرائيلي في تصفية الرئيس الكونغولى لوران كابيلا الذي بدأ حكمه بتحجيم الوجود الإسرائيلي في الكونغو، ومحاولة تعظيم العلاقات مع الدول العربية.

المسئولون السابقون ومن أبرزهم:

مايك هراري الضابط السابق في جهاز الاستخبارات الإسرائيلي موساد: وقد عمل هراري في السبعينيات والثمانينيات مديراً لمحطة الموساد في أمريكا الوسطى والجنوبية، كما عمل فيما بعد مستشاراً عسكرياً لرئيس بنما السابق مانويل نورييجا، وفي الوقت الراهن يتخذ مايك هراري من أفريقيا قاعدة لعملياته، ويعد هراري هو المورد الأول للسلاح لحركة تمرد قرانق في جنوب السودان، وتغطي أنشطة هراري ـ الذي يتاجر أيضاً في الماس والذهب وغيرهما من الثروات والموارد الأفريقية – منطقة شاسعة في شرق ووسط أفريقيا حيث تشمل: جنوب السودان، أنجولا، أفريقيا الوسطى، أوغندا، والصومال وإثيوبيا وإريتريا ومنطقة البحيرات العظمى.

ديفيد أجمون كبير موظفي حكومة نتنياهو: وقد زعمت نشرة المخابرات التنفيذية وهي نشرة محدودة التوزيع تصدر في الولايات المتحدة الأمريكية أن أجمون يعمل حالياً مستشاراً للرئيس الأوغندي يويري موسيفيني، كما أنه يشاهد معه علانية في بعض الأحيان، ويعمل أجمون في أفريقيا من خلال شركة راسل للتعدين الأسترالية الجنسية، والتي منحها الرئيس موبوتو من قبل امتيازاً لتعدين الذهب في إقليم بوكافو في شرق الكونغو الديمقراطية ذلك الإقليم الذي تحتله أوغندا حالياً.

رامى جولان العقيد السابق في جهاز الاستخبارات الإسرائيلي: ينتمي العقيد رامي جولان إلى اليهود الشرقيين السفاراديم وقد استغلته “إسرائيل” بعد تقاعده في إعادة اختراق الكونغو الديمقراطية، حيث انتقل جولان إليها قبيل سقوط نظام موبوتو بعدة أشهر، لينخرط بعد ذلك في أعمال تجارية عديدة أهمها تجارة الماس، كما أنه لعب دوراً مهما في تحجيم الدور الاقتصادي للجالية اللبنانية في الكونغو الديمقراطية، وخاصة في مجال تجارة الماس التي كانوا يسيطرون عليها من قبل، كما تمكن جولان من اختراق دوائر السلطة في الكونغو الديمقراطية، حيث نجح في عقد بعض صفقات لتوريد أسلحة إسرائيلية – غير محددة – إلى الكونغو الديمقراطية، وأخيراً استطاع جولان – في مدة وجيزة – أن يصبح مستشاراً للرئيس لوران كابيلا للشئون الاقتصادية والمالية، بالإضافة إلى ذلك تستعين “إسرائيل” بعدد من المسؤولين الأفارقة ليكونوا عوناً لها في تحقيق أهدافها.

مصر ومحاولة الاختراق الأمني

رغم تضمين اتفاقية كامب ديفيد 1979 بنوداً خاصة بالتعاون الأمني والعسكري المحدود بين الحكومتين المصرية والإسرائيلية إلا أن واقع العلاقات منذ 1979 كان يكتنفه نوع من الفتور إن لم يكن انعداماً لهذه العلاقات، إلا في قضايا وأمور محددة كان يحيطها عادة السرية والكتمان.

فعلى الصعيد العسكري وفي ضوء تزايد احتمالات الصراع المسلح بين “إسرائيل” والأطراف العربية المجاورة لها على أثر تداعيات انتفاضة الأقصى والتي اندلعت في نهاية عام 2000 وتلويح الجانب الإسرائيلي بشن حرب إقليمية فقد استقرت التفاعلات ذات العلاقة بالقضايا العسكرية بين مصر و”إسرائيل” منذ سنوات عند حدود دنيا معتادة لا تدخل ضمن مفهوم الصراع المسلح، حتى في إطاره الواسع، لكن عام 2001 شهد تكثيفاً وتصعيداً لتلك التفاعلات في صورة خلافات وتحفظات وضغوط وتوترات – في بعض الأحيان – على عدة مستويات، فقد أعلنت مصر عن تحفظها الشديد وتخوفها بشأن التهديدات العسكرية وتلويح بعض قيادات “إسرائيل” بشن حرب إقليمية وفي أحيان أخرى التهديدات المباشرة باستهداف مصر عسكرياً الأمر الذي استدعى صدور تصريحات قاطعة وصارمة للقيادة السياسية والعسكرية المصرية تشير إلى قدرة النظام المصري على التصدي والرد على أي اعتداءات على المصالح المصرية، كما توترت العلاقات أثناء الحملة الانتخابية لآرييل شارون، حيث هدد الوزير الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان رئيس حزب “إسرائيل” بيتنا اليميني المتطرف – والمقرب من شارون، بضرب السد العالي في أسوان، مما دفع المسئولين المصريين إلى التحذير من مغبة الاعتداء الخارجي على مصر، والتأكيد على قدرة الجيش المصري على رد أي عدوان خارجي، مع الإعراب في الوقت ذاته عن رغبة مصر في السلام وسعيها إلى تحقيقه.

أما عن الانتهاكات المختلفة للحدود ما بين البلدين فليست بالجديدة، ولكنها تطفو على السطح من آن لآخر كمؤشر لتوتر العلاقات بين البلدين، وهو ما أثير مؤخراً عن اتهامات “إسرائيل” لمصر بالمساعدة على تهريب أسلحة للفلسطينيين عبر أنفاق بين مصر و”إسرائيل”.

وفي مارس 2001 أعرب شارون عن قلقه إزاء المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر، واقترح على الولايات المتحدة إيقاف هذه المساعدات، نظراً للتأثير المصري السلبي – على حد تعبيره – على عملية السلام، خاصة بعد رفض مصر إعادة سفيرها إلى تل أبيب.

وفي أبريل 2001 تقدم سبعة وأربعون من أعضاء مجلس الشعب المصري – من مختلف الاتجاهات السياسية – بمذكرة إلى رئيس مجلس الشعب الدكتور أحمد فتحي سرور يطالبون فيها بمناقشة الاتجاه الأمريكي نحو سحب القوة الأمريكية المشاركة ضمن قوات حفظ السلام الدولية والموجودة في منطقة الحدود المصرية – الإسرائيلية، حيث اعتبر النواب أن هذا التوجه بمثابة مقدمات لحرب وشيكة ضد مصر، كما حذر النواب من حرب إبادة ضد الأمة العربية تشنها “إسرائيل” والقوى الصهيونية مدعومة من جهات دولية، وهى الحرب التي تجلت بوادرها في تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي المستمرة لسوريا التي تعتبر عمقاً استراتيجياً للأمن الوطني المصري.

ولقد دأبت “إسرائيل” على ترويج الكثير من الادعاءات حول العلاقات العسكرية مع مصر ومثال ذلك الادعاء بأن هناك تحركات عسكرية ينفذها الجيش المصري داخل سيناء، فيما يعد انتهاكاً للاتفاقيات الموقعة وتصعيداً بين البلدين، والزعم بوجود اتفاق بين مصر وكوريا الشمالية لتزويد مصر بصواريخ أرض أرض من طراز نودينج وهو ما نفته مصر مؤكدة أنها ليست في حاجة إلى تملك هذا النوع من الأسلحة، لأنها لا تهدف إلى العدوان ولا تسعى إليه، والادعاء أيضاً بزيارة مسئولين سياسيين وعسكريين مصريين رفيعي المستوى لتل أبيب، ولقائهم برئيس الوزراء الإسرائيلي، وهي الادعاءات التي كذبتها مصر ووصفتها بأنها غير صحيحة تماماً، وتهدف إلى الوقيعة بين الدول العربية وبعضها.

ومن ناحية أخرى فإن حكومات “إسرائيل” المتعاقبة على اختلاف توجهاتها وميولها الحزبية قد دأبت على تفعيل دور اللوبي الصهيوني في أروقة الكونجرس الأمريكي للاعتراض على صفقات التسليح الموقعة بين الجانبين المصري والأمريكي، ونذكر هنا على سبيل المثال ما أثارته “إسرائيل” من ضجة إعلامية مؤخراً تعترض فيها على صفقة الصواريخ هربون سطح – سطح والتي أثارت مخاوف “إسرائيل” على لسان قائد سلاح البحرية الإسرائيلي الجنرال يافيه ياعري الذي صرح بأن تنامي القوة البحرية المصرية يثير مخاوف “إسرائيل”.

وعلى الصعيد الأمني رصدت التقارير المنشورة – وفي مقدمتها التقرير الاستراتيجي الأفريقي – استمرار شبكات التجسس الإسرائيلية في العمل ضد المصالح الوطنية والأمنية لمصر، حيث ضبطت خلال حقبة التسعينيات عدة شبكات للتجسس على الأمن المصري، وكان الملفت للنظر في هذا النمط من التجسس – الذي يأتي في ظل السلام – أنه يستهدف الجيش المصري، وأن عموده الفقري يرتبط بنساء من اليهود أو عرب 1948 ارتبطن بعلاقات عاطفية أو اقتصادية بحتة مع مواطنين مصريين بينما شهد عام 2001 قضية التجسس التي اتهم فيها المصري شريف الفيلالي والروسي جريجوري جيفنيس والتي بدأ نظرها يوم 11/2/2001 في حين صدر الحكم فيها 23/3/2003 بمعاقبة الفيلالي الذي كان قد حصل على البراءة من قبل بالأشغال الشاقة لمدة 15 عاماً، والحكم غيابياً بالأشغال الشاقة المؤبدة على جريجوري جيفنيس، كما ضبطت قضية أخرى في أبريل 2002 عندما أحيل مجدي أنور محمد مصري الجنسية – الذي كان يعمل خبيراً بالصندوق المصري للتعاون الفني مع أفريقيا – إلى محكمة أمن الدولة طوارئ، والتي حكمت عليه بالسجن لمدة عشر سنوات بعد إدانته بالسعي للتخابر للإضرار بمصالح البلاد لحساب جهاز الموساد الإسرائيلي.

والواقع – كما يقول معد الجزء المتميز عن “إسرائيل” في التقرير الاستراتيجي الأفريقي الصادر في القاهرة قبل أيام -: إن هذه القضايا قد كشفت عن حجم التوتر الأمني في العلاقات بين الكيان الصهيوني ومصر كأكبر وأهم دولة أفريقية عربية، وأيضا كشفت عن المدى الذي وصل فيه تأثير الانتفاضة وأوضاعها المتصاعدة على هذا الجانب، الذي بات أكثر خطورة من ذي قبل خاصة مع قدوم حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة شارون، وإصرارها على إعادة جميع الأمور والعلاقات سواء مع الفلسطينيين أو مع مصر والدول العربية التي وقعت اتفاقات سلام معها إلى نقطة الصفر من جديد، وما التجسس على الدول التي تم توقيع اتفاقيات سلام معها إلا أحد أبرز مظاهر العودة إلى نقطة الصفر في العلاقات، وبخاصة على الصعيد الأمني والعسكري، كما أظهرت هذه القضايا نشاط الموساد في أفريقيا وبعض الدول الأوروبية ومنها إسبانيا وقبرص وأوكرانيا.

تلك هي أبرز نواحي الاختراق الإسرائيلي للقارة السوداء التي نسيناها جميعاً في غمرة انشغالنا بهمومنا تارة أو ربما عن جهل مقيم يشل عقل وتفكير نخبتنا السياسية الحاكمة ويتصل بقيمة وأهمية هذه القارة لأمننا القومي.. فهل آن لنا أن نستفيق وأن نربط ما يحدث لأمتنا في العراق الذبيح بما يحدث في أفريقيا السوداء من اختراق صهيوني خطير؟!

http://alarabnews.com/alshaab/GIF/06-06-2003/Refaat.htm

Advertisements
%d bloggers like this: