الوجود الإسرائيلي في إفريقيا دوافعه وأدواته.. (نظرة تاريخية) 28اكتوبر 2014 – 05:22 نجم الدين محمد عبدالله جابر(*) علاقة إسرائيل بإفريقيا لم تبدأ بقيام دولة الكيان في عام 1948م، بل مع انعقاد أول مؤتمر صهيوني في أغسطس 1897م في بازل بسويسرا؛ حيث برزت في صدارة جدول أعماله خيار أوغندا ليكون وطناً قومياً لليهود بجانب الأرجنتين وفلسطين. وقد تأكدت هذه الحقيقة في كتاب صدر في 1968م بعنوان: (الصهيونية في إفريقيا), كشف فيه مؤلّفه أن تشمبرلين وزير المستعمرات البريطانية قد شجّع ثيودور هيرتزل مؤسس الصهيونية على وضع مخطط لإنشاء وطن قومي لليهود في أوغندا, إلى أن قرّر المؤتمر الصهيوني السادس في بازل 1903م رفض مشروع أوغندا. ومع انضمام إفريقيا إلى الأمم المتحدة صارت تشكّل كتلة صوتية لها وزنها في المحافل الدولية؛ لذلك سعت إسرائيل إلى كسب تأييد الدول الإفريقية, يقول: «أبا إيبان» وزير الخارجية الإسرائيلي السابق: «كانت إسرائيل في أمسّ الحاجة إلى إنشاء علاقات مع إفريقيا تضمن منح أصوات التأييد لإسرائيل في المحافل الدولية، ولم يكن يكفي أن تعتمد إسرائيل على الفيتو الأمريكي والبريطاني والفرنسي في مجلس الأمن الذي كان محتاجاً إلى أصوات عشرات الدول الأخرى لكي تحول دون تدهور مركزنا وعزلتنا في الجمعية العمومية للأمم المتحدة»(1). دوافع الاهتمام الإسرائيلي إفريقيا: على الرغم من حصول اليهود على فلسطين, وقيام الدولة الإسرائيلية فيها عام 1948م, فإن إفريقيا ظلّت في عقولهم, وذلك للأسباب والدوافع الآتية: 1 – تمثّل إفريقيا البداية التي من خلالها يستطيعون إقامة دولة إسرائيل الكبرى؛ وذلك لوجود منابع النيل فيها الذي يمثّل حلم إسرائيل. 2 – حاجة إسرائيل للاعتراف بها دولة من قبل الدول الإفريقية لكسب الشرعية السياسية والقانونية، وهذا ما قاله وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق «أبا إيبان». 3 – عزل الدول العربية وتطويقها؛ إذ ترى إسرائيل أنها قد طوّقتها بإيران وتركيا من جهة وإفريقيا من جهة أخرى. 4 – الحيلولة دون قيام تكتل (عربي – إفريقي) ضد إسرائيلي, وهذا ما أكده «شكومو أفنيري» مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية عام 1975م قائلاً: «إن الأهداف التي كنا نتوخاها من وراء توطيد العلاقات مع الدول الإفريقية هي كسب صداقة هذه الدول من أجل الخروج من العزلة السياسية, والحيلولة دون قيام معسكر إفريقي معاد يقف إلى جانب العرب في نضالهم السياسي ضد إسرائيل»(2). وقد تبوأت القارة الإفريقية مكانة متقدمة في الإستراتيجية الإسرائيلية مقارنة ببقية القارات الأخرى؛ فأمريكا اللاتينية كانت في ذلك الوقت حكراً على النفوذ الأمريكي، وأوروبا كانت القارة التي قوّت الكيان الإسرائيلي عبر المساندة والدعم الذي قدّمه دولها الرئيسة لها, أما القارة الآسيوية؛ فقد كانت أشبه بالقارة المغلقة أمامها، لوجود دول وجماعات إسلامية كبيرة. وعليه؛ فقد ظهرت إفريقيا بوصفها النموذج المناسب أمام صانع القرار الإسرائيلي, حيث مثّل مؤتمر باندونج في 1955م البداية الحقيقية للتحوّل الإسرائيلي نحو إفريقيا, فعملت إسرائيل بعد المؤتمر بمدة قصيرة على وضع استراتيجية شاملة وطويلة المدى للتغلغل في القارة الإفريقية. ومن ثمّ؛ فالقارة الإفريقية مثلّت – وما زالت – أهمية بالغة بالنسبة للاستراتيجية الإسرائيلية، ويكفي هنا الإشارة إلى حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ديفيد بن غوريون في الكنيست الإسرائيلي عام 1960م لتتضح لنا تلك الأهمية، حيث قال: «الصداقة الإسرائيلية – الإفريقية تهدف في حدّها الأولي إلى تحييد إفريقيا عن الصراع العربي الإسرائيلي، كما تهدف في أحسن حالاتها إلى ضمان مساندة إفريقية للمواقف الإسرائيلية»(3). وقد أسهمت كلٌّ من بريطانيا وفرنسا بدور كبير في تمهيد الطريق لهذا التغلغل الإسرائيلي في المستعمرات الإفريقية التي كانت تحت سيطرة كلٍّ منهما, حيث قامت بريطانية بجعل كل من تنجانيقا وسيراليون نقاط ارتكاز لإسرائيل في إفريقيا، وسمحت لها بإقامة قنصليات فخرية في هذه المستعمرات قبل استقلالها، وتحوّلت هذه القنصليات إلى سفارات إسرائيلية بعد استقلال هذه المستعمرات(4). أما فرنسا؛ فقد فتحت لإسرائيل حرية العمل في ميناء جيبوتي وميناء داكار في السنغال لدعم نشاطها، وسمحت لها بإقامة علاقة وثيقة مع مستعمراتها في غرب إفريقيا, كما حدث في ساحل العاج. ومن جانب آخر؛ فقد عمل الاستعمار الغربي على تقديم دولة الكيان الصهيوني إلى الأفارقة بوصفها دولة تعاني التمييز العنصري، تماماً كالأفارقة الذي يعانون التمييز بسبب لونهم, في حين عمل على إعاقة النشاط العربي وشوّه صورة العرب بوصفهم أحفاداً لتجّار الرقيق في إفريقيا. وقد عقدت دولة الكيان الإسرائيلي عدة اتفاقيات تمويلية وتجارية مع فرنسا بهدف تأمين حرية التجارة الإسرائيلية مع المستعمرات الفرنسية السابقة في غرب إفريقيا, كما قامت بعقد اتفاقيات مماثلة مع بريطانيا لتطبيقها على الدول الإفريقية التي كانت خاضعة للنفوذ البريطاني. في ذلك قامت إسرائيل بالتركيز في دعم العلاقات مع جماعات إفريقية بعينها، وتتضح هذه الخصوصية في التعامل الإسرائيلي مع القارة الإفريقية, والتي تُعد من الثوابت السياسية الخارجية الإسرائيلية في إفريقيا, والتي تتجاوز التعامل المؤقت مع أنظمة الحكم الإفريقية – بافتراض عدم استقرارها – إلى التعامل المتغير وشبه الدائم مع جماعات بعينها، فتقوم بمساعدتها ومساندتها إذا كانت تشكّل قاعدة للسلطة القائمة دعماً للاستقرار السياسي وتوطيداً لأواصر العلاقات مع إسرائيل, أو تقوم بمساندتها إذا كانت خارج السلطة السياسية لإشاعة حال من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي في دولة معادية لإسرائيل، كما حدث في السودان؛ حيث طوّرت علاقات مع بعض الجماعات, مثل «الدينكا» في جنوب السودان, والتي يُقدّر عددها بنحو ثلاثة ملايين نسمة, لإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار في السودان لإجهاضه اقتصادياً وسياسياً, وزرع عقدة الكراهية بين العرب والأفارقة بصورة تعيق السودان عن أداء دوره العربي والإسلامي، وحتى الإفريقي بوصفه يشكّل نموذجاً للتعايش العربي الإفريقي المنشود. وفي الوقت نفسه ظلّت إسرائيل على تعاملها الوثيق مع جماعة «الأمهرا» التي كانت حاكمة في إثيوبيا, سواء في ظل «هيلاسلاسي» أو «منجستو», دعماً لسيطرة هذه الجماعة على غيرها من الجماعات – معظم الجماعات الأخرى إسلامية -, وتعزيزاً للوجود الإسرائيلي في منطقة حوض النيل ومدخل البحر الأحمر، وقد استغلت إسرائيل في ذلك البعد الإيديولوجي لتقوية صلاتها بجماعة «الأمهرا»؛ «ذلك لأن هذه الجماعة لديها مزاعم بالانتماء للأسرة السليمانية, وقادتها يسمّون أنفسهم زعماء إسرائيل», ثم إن الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية قد ظلت تقوم بدورها في تعزيز مزاعم «الأمهرا»؛ حيث ركزت في دعمها على أن «شعب الأمهرا» هو شعب الله المختار. وهذه مجرد نماذج لتعامل إسرائيل مع بعض الجماعات الإفريقية, تفتح المجال أمام تتبع المخطط الإسرائيلي في إفريقيا من حيث أوجه النشاط المتوقعة عنه, إلى جانب الأجهزة المنفذة له. ويمكن القول بأن المخطط الصهيوني في القارة الإفريقية اعتمد على أربعة مداخل أساسية عند بدء تنفيذه, وهي: أولاً: مرحلة المبادرة إلى الاعتراف باستقلال الدول الإفريقية. ثانياً: إنشاء علاقات دبلوماسية كاملة مع هذه الدول. ثالثاً: التقدّم بعروض لتقديم معونات مالية وفنية ومعها جيش من الخبراء. رابعاً: عقد الاتفاقيات الاقتصادية والثقافية مع الأقطار الإفريقية. ولكي نلقي الضوء الكاشف على تلك الأنشطة بكل أشكالها وأوجهها؛ فمن الضروري أن نقسم هذه الأنشطة على الأوجه الآتية: أولاً: النشاط السياسي: من خلال الحركة الصهيونية في فرنسا وبريطانيا وبلجيكا والدول الإفريقية الأخرى؛ استطاع زعماء الحركة، وبخاصة ناحوم جولدمان وسكرتيره يوسف جولان، وزعماء الوكالة اليهودية, إيجاد علاقات مع بعض النقابات الإفريقية التي نشأت وترعرعت في ظل الحكم الفرنسي البريطاني، وذلك من خلال المؤتمرات العمّالية على المستوى الدولي، مثل المؤتمرات التي كانت تعقدها النقابات العمالية, كما استطاعوا أن يقيموا علاقات خاصة مع شخصيات إفريقية وحركات سياسية نشأت في فرنسا وبريطانيا, مثل ليوبولد سنقور وفوليكس بوانيه وغيرهما(5). وقد فرغ الكيان الصهيوني من بلورة مخططه للتغلغل السياسي في إفريقيا عبر عدة محاور, وهي: الأول: إقامة علاقات وطيدة مع أحزاب وحركات سياسية في إفريقيا بدأت بالظهور: سواء قبل مرحلة الاستقلال أو بعدها، مثل حزب عمال إسرائيل (الماباي), مع بقية الأحزاب العمالية الصهيونية الأخرى التي مارست دوراً رئيساً في مدّ الجسور مع أحزاب إفريقية عن طريق الأحزاب الاشتراكية الغربية والمنظمة الدولية الاشتراكية، وبخاصة الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي ساهم في إقامة علاقات مع أحزاب في السنغال ومالي ودول أخرى ذات علاقة بالمنظمة الدولية الاشتراكية(6). الثاني: المبادرة إلى الاعتراف بالدول الإفريقية حال حصولها على الاستقلال: حيث اتّبع الكيان الصهيوني وسيلة ذكية لكسب رضا الدول الإفريقية، وذلك بالمسارعة إلى الاعتراف بأية دولة إفريقية تحصل على استقلالها, وإرسال الوفود للتهنئة, ثم التقدّم بعروض للمساعدة، وكثيراً ما كانت هذه الوسيلة تعطي نتائج فورية، ومن أبرز هذه النتائج إقامة علاقات دبلوماسية وعلاقات قوية مع الحكّام الأفارقة، وكانت التجربة الغانية دليلاً واضحاً على نجاح هذا الأسلوب. الثالث: إقامة علاقات مع الحكام الأفارقة: حيث كان الاتجاه الآخر الذي اتّبعه الإسرائيليون في سعيهم الحثيث لترسيخ وجودهم السياسي في القارة الإفريقية، ويتمثل في إقامة علاقات شخصية مع الحكّام الأفارقة, وكانوا يرمون من وراء ذلك إلى كسب ودّ هؤلاء الحكّام والتقرب إليهم للتأثير في مواقفهم. وتمكّنوا من إقامة مثل هذه العلاقات مع العديد من الحكّام, ومنهم جومو كنياتا أول رئيس لكينيا، ووليام تويبمان الرئيس الليبيري الذي يُعد أول رئيس دولة إفريقية تعترف بإسرائيل, وكان يفتخر بعلاقته مع الكيان اليهودي، أيضاً جوزيف موبوتو رئيس زائير السابق الذي يُعرف بأنه أكثر أصدقاء إسرائيل وفاءً في إفريقيا؛ لأنهم ساعدوه في تولّي السلطة، كذلك هيلاسلاسي إمبراطور إثيوبيا الذي يرى نفسه أنه من سلالة اليهود(7). الرابع: التمثيل الدبلوماسي: حرص الإسرائيليون على إنشاء أوسع شبكة من العلاقات الدبلوماسية مع نحو ثلاثين دولة أو أكثر، ولقد استفادت إسرائيل سياسياً من شبكة علاقاتها الدبلوماسية مع هذا العدد من الدول الإفريقية في كسب النفوذ وتحسين مركزها الدولي، وقد أسهمت عدة عوامل ومؤثرات خارجية وداخلية في إحراز هذا النجاح, ويمكن أن نوجزها في الآتي: – تأثير القوى الاستعمارية في مواقف الدول الإفريقية حيال مبادرات الكيان الصهيوني لإقامة علاقات دبلوماسية معها، ومثال لذلك نجد أن الدول الناطقة بالفرنسية, والتي يبلغ عددها (13) دولة, اعترفت بالكيان الصهيوني في عام 1960م بتأثير من فرنسا، وكذلك أثّرت بريطانيا في الدول التي استعمرتها للاعتراف بإسرائيل وتوطيد علاقتها بها. – سعي الكيان الصهيوني إلى تضليل الدول الإفريقية بشأن ظروف نشأته, حيث عمل على أن يربط بين هذه الظروف والظروف التي مرّت بها الأقطار الإفريقية؛ ليوجد بذلك نوعاً من التجاوب مع مبادراته ونشاطاته في القارة الإفريقية. الخامس: العلاقات مع النقابات العمالية: سعت إسرائيل بهذه الخطوة إلى تعميق نشاطاتها المتعددة الجوانب، وتجسدت في إقامة علاقات مع النقابات العمالية والمنظمات المهنية الإفريقية، واعتمدت في تحقيق مآربها على نقابة العمال الصهاينة العامة (الهستدروت), وقد ساعد ذلك على: – تطوير العلاقات مع الحركات العمالية الإفريقية, والتي كان نشوؤها قد سبق استقلال الدول الإفريقية, بتوسيع شبكات الاتصالات معها، وقد تمكّنت إسرائيل من استخدام هذه العلاقات للتغلغل في صفوف الكثير من الاتحادات والنقابات الإفريقية, وخصوصاً بعد أن تولّت (الهستدروت) مهمة تنظيم عدة اتحادات, ومنها اتحاد عمال كينيا, واتحاد عمال غانا، وإثيوبيا(8). – تقديم المنح الدراسية للكوادر العمالية الإفريقية المتقدمة للدراسة والتدريب في إسرائيل، وإغراقهم بالمكافآت المالية, والمبالغة في تكريمهم تحقيقاً لمصلحة هذا الكيان(9). السادس: الجالية اليهودية في إفريقيا: يوجد للكيان الإسرائيلي جاليات مؤثرة في إفريقيا، ولا يخفى أن استخدام إسرائيل ليهود إفريقيا يساهم في دعم النفوذ السياسي الإسرائيلي، والاعتماد المتبادل بين اليهود خارج إسرائيل، وهذه الفكرة ترتبط بتجميع يهود الشتات في إسرائيل. وتعمل البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية في إفريقيا على تنظيم زيارات يهود إفريقيا إلى إسرائيل, واستقطاب المتطوعين من اليهود الذين أنهوا خدمتهم العسكرية، وهذا ينطبق على يهود جنوب إفريقيا, بالإضافة إلى جلب الأموال منهم لمصلحة إسرائيل. وسعت إسرائيل إلى تنظيم دورات خاصة ليهود الشتات عن طريق مؤسسات عديدة, منها الوكالة اليهودية, ومنظمة المحاربين القدماء الإسرائيليين, لتكريس ارتباط اليهود بها، حيث قالت جولدا مائير رئيسة الوزراء السابقة: «إن على إسرائيل في مواجهتها للدول العربية، داخل حدودها وعلى المسرح الدولي، أن تبذل جهوداً فائقة لاكتشاف مسالك جديدة لتمكنها من اختراق الحصار المفروض عليها», ومن الطبيعي أن تكون المهام الأساسية للبعثات الإسرائيلية في إفريقيا العمل على تنمية الروابط بين إسرائيل واليهود هناك(10). ثانياً: النشاط الاقتصادي: تعد إسرائيل إفريقيا مجالاً حيوياً لتوسيع تجارتها، والملاحظ أنه بالرغم من ضآلة نسبة حجم التجارة الخارجية لإسرائيل مع الدول الإفريقية مقارنة بعلاقة إسرائيل بالأسواق الأوروبية والأمريكية؛ فإن الاهتمام المتزايد الذي تبذله إسرائيل لغزو الأسواق الإفريقية يُعد متسارعاً, حيث تطوّرت تجارة إسرائيل مع الدول الإفريقية وأخذت تميل لمصلحتها, فتضاعف حجم تجارتها مع دول القارة في الفترة من سنة 1957م إلى 1962م، ثم اطردت الزيادة حتى بلغت نحو 143,1 مليون دولار سنة 1975م(11). واتبعت إسرائيل عدة استراتيجيات من أجل تفعيل نشاطها الاقتصادي هذا في القارة الإفريقية، ويتمثل ذلك في الآتي: أ – مسح الأسواق الإفريقية: إعمالاً لمخططها لجأت سلطات الكيان الإسرائيلي إلى مسح الأسواق الإفريقية وإعداد دراسات عن أوضاعها وطاقتها الاستهلاكية, وقد أوفدت لهذا الغرض بعثات تجارية في مهمة دراسية ميدانية, وقد تمكنت هذه البعثات من إعداد دراسات عن كل بلد في القارة من حيث التركيب الاقتصادي وظروفه واحتياجات أسواقه من السلع، وكانت غانا هي أول دولة يتم إجراء دراسة فيها, ثم إثيوبيا وأوغندا وكينيا(12). ب – عقد الاتفاقيات التجارية: حرص الكيان الصهيوني منذ بدء غزوه الاقتصادي للقارة الإفريقية في النصف الثاني من الخمسينيات على عقد اتفاقيات تجارية مع مختلف الدول الإفريقية، وانطلاقاً من هذا الحرص لجأت إسرائيل إلى فتح ملحقيات تجارية تتولى مهمة تطوير التجارة بين الكيان الصهيوني والأقطار الإفريقية، وكانت أول اتفاقية أبرمت مع غانا عام 1958م بهدف تحديد حجم التبادل التجاري, ووقّع الكيان الصهيوني اتفاقيات مع عدد من الدول الإفريقية الأخرى، مثل: إثيوبيا وأوغندا وإفريقيا الوسطى ومالي والكنغو(13). ج – تقديم التسهيلات المالية: من الوسائل التي استخدمتها إسرائيل من أجل تطوير آفاق التجارة مع الأقطار الإفريقية تقديم التسهيلات المالية والقروض والائتمانات؛ وذلك لتمكين هذه الأقطار من استيراد السلع من الكيان الصهيوني, والتي تشكّل مواد أولية. د – إقامة المعارض التجارية الثابتة والمتنقلة: استخدمت هذه المعارض من أجل الترويج للمنتجات الإسرائيلية والدعاية لها وكسب الزبائن والأسواق, كما عمدت إسرائيل إلى توجيه الدعوات للحكومات الإفريقية للاشتراك في المعارض التي تُنظّم في القارة الإفريقية، فقد اشتركت عام 1967م في معرض غانا الدولي, ونظّمت أكبر جناح في المعرض، ثم في زامبيا عام 1967م, ونيروبي وأديس أبابا 1968م(14). سعت إسرائيل إلى إقامة شركات إفريقية إسرائيلية مشتركة للتغلغل بها محلياً في حقل التجارة والنقل والخدمات، مثل شركة الملاحة الغانية, والشركة الكنغولية الإسرائيلية, والعاجية الإسرائيلية, والشركات النيجيرية الإسرائيلية… إلخ, وقد تمكّنت إسرائيل بفضلها من تأمين خطوط مواصلات ثابتة لتجارتها مع دول إفريقيا الغربية, ومن الدخول في حقل الزراعة وتربية الدواجن، كما أن إسرائيل اتبعت وسائل أخرى عديدة للتغلب على أي صعوبة أو معوّق لتصريف منتجاتها في الأسواق الإفريقية. وأهم الدول الإفريقية التي تتعامل معها إسرائيل تجارياً جمهورية جنوب إفريقيا وإثيوبيا وغانا وليبيريا وتنزانيا وأوغندا وكينيا وساحل العاج والجابون، ونجد أن أسواق إسرائيل تزدهر بصورة أساسية في ست دول, وهي جنوب إفريقيا وإثيوبيا ونيجيريا وغانا وكينيا وأوغندا, وهي تستوعب 75% من مجموع صادرات إسرائيل لمجموع القارة. أيضاً تقدّم إسرائيل في إطار نشاطها الاقتصادي في القارة الإفريقية القروض، عبر اتفاقيات ثنائية أو عن طريق الموارد المالية، إلى البلدان الإفريقية التي تعتمد بدرجة أساسية على العون الأجنبي في اقتصادها، ويشكّل نقص رأس المال لديها ومتطلبات القروض والتمويل لمشروعاتها في القارة عقبة كبيرة تحدّ من سرعة انطلاقها. ويعد الافتقار للتمويل المانع الرئيس الذي يحدّ بدرجة كبيرة من مدى تغلغل إسرائيل, ولكنها بالرغم من ذلك حاولت واستمرت في المحاولة للتغلب على هذا المعوّق بشتى الطرق, وذلك بتدبير مصادر تمويلية متعددة، وتلجأ في سبيل ذلك إلى الطرق والمصادر الآتية: – تقوم بالاقتراض من البنوك الغربية الأمريكية والإنجليزية والألمانية بأسعار فائدة منخفضة، ثم تعيد إقراضها للدول الإفريقية بأسعار مرتفعة, بالإضافة إلى تقديمها في صور سلع وخدمات, فتكون الفائدة مزدوجة. – تودع العقود التي تبرمها مع الدول الإفريقية لتنفيذ بعض المشروعات لدى البنوك الأجنبية، وتقترض بضمانها الأموال اللازمة لتنفيذ مشروعاتها(15). ثالثاً: النشاط العسكري: يشغل الجانب العسكري أهمية خاصة بالنسبة للنشاط الإسرائيلي في إفريقيا, والحقيقة أن هذا الجانب ارتبط كغيره من جوانب النشاط الإسرائيلي وبشكل تام بالاستراتيجية الإسرائيلية التي استهدفت التغلغل في إفريقيا, والنفاذ إلى الأجهزة والمرافق الحساسة في الأقطار الإفريقية. وانطلاقاً من هذه الاستراتيجية بذلت إسرائيل قصارى جهدها من أجل تكثيف نشاطها العسكري عن طريق إيفاد البعثات بأعداد كبيرة، بل إرسال وحدات كاملة إلى بعض الدول مثل زائير (الكنغو الديمقراطية حالياً)، وإنشاء مستوطنات على غرار مستوطنات (الناحال), والإشراف على تنظيم الوحدات العسكرية وشبه العسكرية وتدريبها, ثم استقدام الأفارقة للتدريب والدراسة في المعاهد العسكرية الإسرائيلية. ولقد سار النشاط الإسرائيلي على الصعيد العسكري في ثلاثة خطوط متكاملة ومتوازنة, وهي: 1 – إرسال المستشارين من أجل تدريب الجيوش الإفريقية وتنظيم بعضها. 2 – تصدير الأسلحة المصنوعة في إسرائيل إلى الدول الإفريقية؛ بدءاً برشاش العوزي، ثم مدافع الهاون, وأسلحة التدريب, ثم طائرات حربية, وزوارق زيئيف وغيرها. 3 – تصدير تجارب الشباب الطلائعي المحارب (الناحال), وكتائب الفتوة (الجدناع), إلى الأقطار الإفريقية, ومحاولة «بيع» هذه التجربة إلى الدول الإفريقية، واستطاعت إسرائيل أن توفّر للأقطار الإفريقية خلال الفترة من 1958م إلى 1972م قرابة (1300) مستشار ومدرب من العسكريين والشرطة وكتائب الشباب الطلائعي المحارب (الناحال) لتثبت الامتداد العسكري لها في إفريقيا(16). قامت إسرائيل أيضاً بتدريب عدد من الأفارقة لتنظيم الخدمة العسكرية في بلادهم، ففي عام 1976م قامت إسرائيل بإرسال عدد من الخبراء إلى تنزانيا لتدريس المبادئ الخاصة بقوات الشرطة، كما قامت بتدريب أعداد من الجنود المظليين من الكنغو كنشاسا, وعلى رأسهم موبوتو, كما قدّمت الخبراء العسكريين لتدريب الجيش الكنغولي، وقدّمت بعض الأسلحة الإسرائيلية الصنع للكنغو, وأنشأت مدرسة للمظلات هناك، وفي عام 1965م قامت إسرائيل بتزويد سيراليون بخبراء عسكريين وضباط من الجيش ليقوموا بتدريب جيش سيراليون, وكانت بعثة عسكرية من ضباط إسرائيل قد زارت سيراليون لإنشاء مدرسة عسكرية في فري تاون عاصمة سيراليون(17). أيضاً تسعى إسرائيل إلى التغلغل في منطقة البحيرات العظمى والقرن الإفريقي؛ حيث تتبع سياسة الالتفاف حول دول حوض النيل ومحاولة زيادة نفوذها فيها بأنشطة عسكرية وأمنية مكثفة لتهديد الأمن القومي العربي للسودان ومصر، وذلك من خلال الحصول على تسهيلات عسكرية، وإقامة قواعد جوية وبحرية في أماكن استراتيجية، واستخدام الدول الإفريقية قاعدة للتجسس على الأقطار العربية. كما سعت إسرائيل إلى تشكيل فرق عمل أمنية وعسكرية مع العديد من الدول الإفريقية, وذلك بهدف بناء نفوذ لإسرائيل داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية والسياسية في البلدان الإفريقية, ولا سيما الكنغو الديمقراطية, حيث تشير بعض التقارير إلى أن الكنغو الديمقراطية وقّعت عام 2002م نحو (12) اتفاقية للتعاون الشامل مع إسرائيل, منها اتفاقية سرية عسكرية أمنية تقوم بمقتضاها إسرائيل بتدريب الجيش الكنغولي وتسليحه والقوات الخاصة التابعة لها, والمشاركة في عملية إعداد بناء قوات الشرطة والأمن(18). أيضاً أبرمت إسرائيل عدة اتفاقيات للتعاون الأمني والعسكري مع رواندا منذ عام 1998م, وساهمت في إعادة بناء قوات الجيش الرواندي وتسليحه وتدريبه، وبموجب هذه الاتفاقيات استضافت إسرائيل وبصورة سنوية العديد من ضباط أفرع الأسلحة في القوات الرواندية للتدريب في إسرائيل. ومن الجدير بالذكر؛ أن تقرير المخابرات الفرنسية في عام 1996م أكد أن إسرائيل تتحمل الجانب الأكبر من تدهور الأوضاع في منطقة البحيرات العظمى, وأوضح التقرير أن إسرائيل قامت بتسليح جيشي رواندا وبورندي, واستطاعت أن تضع أقدامها في المنطقة, وقامت بعرض مساعدة لحكومتي البلدين في حماية المنشآت الاستراتيجية في العاصمتين (بوجمبورا) (كيجالي) ضد هجمات قبيلة الهوتو، ثم تطرق التقرير إلى أن إسرائيل قامت ببيع الأسلحة للمتمردين بأسعار زهيدة بناء على أوامر الموساد؛ لإشعال الأوضاع في المنطقة, وضمان استمرار حاجة حكومات دول المنطقة للمساعدات الإسرائيلية. سعت إسرائيل أيضاً إلى دعم حركات التمرد بأنجولا في بداية الثمانينيات لمساعدة «حركة يونيتا» المتمردة بزعامة جوناس سافيمبي ضد القوات الشرعية في لواندا، وتم وضع برنامج سري لتسليح المتمردين وتدريبهم وتقديم الاستشارات العسكرية لهم, وقد كان ذلك مثل بوابة لإسرائيل للحصول على مناجم الألماس التي كانت تقع في المناطق التي تسيطر عليها «يونيتا». وفي جنوب السودان أوفدت إسرائيل عدداً من الخبراء العسكريين, ومعظمهم من يهود «الفلاشا» الأحباش، وذلك للمساهمة في تطوير القدرات العسكرية لقوات الحركة الشعبية. لا يقتصر الدور الإسرائيلي عند هذا الحد بل تقوم شركات الأمن الإسرائيلية بدور كبير في القارة الإفريقية, ويمكن تقسيم نشاطها إلى نوعين: الأول: شركات المرتزقة: ومن أبرز هذه الشركات شركة «ليف دان» وشركة «الشبح الفضي», حيث يخشى الرؤساء الأفارقة من جيوشهم الوطنية, ومن ثم يلجأ العديد منهم إلى تكوين ميليشيات قبلية لتأمين أنفسهم, حيث تتولى شركات المرتزقة الإسرائيلية تدريب هذه الميليشيات وتسليحها. الثاني: الشركات التي تتولى تنفيذ المخططات الإسرائيلية في إفريقيا: ومن أهم هذه الشركات «بول باريل» وشركة «أباك»، وهما شركتان فرنسيتان مملوكتان لعناصر يهودية, حيث تتبنى إسرائيل سياسة تهدف إلى إشعال الصراعات في القارة الإفريقية وتصعيدها، وذلك بهدف إسقاط الأنظمة التي تسعى إلى التقارب مع الدول العربية من جانب, وإحكام السيطرة الاقتصادية والسياسية على هذه الدول من جانب آخر(19). أيضاً يتغلغل الخبراء الإسرائيليون في المجالات العسكرية والأمنية والاستخبارية داخل المؤسسات الوطنية، حيث تسعى إسرائيل إلى استغلال الدول الإفريقية للتجسس على مصر والسودان والصومال وجيبوتي وشمال إفريقيا، حيث توجد مكاتب للموساد الإسرائيلي في العديد من الدول الإفريقية, في أوغندا وإريتريا وإثيوبيا والكنغو وكينيا ورواندا, وفق اتفاقيات مبرمة بين الجانبين، هذا فضلاً عن الوجود الاستخباري غير المباشر من خلال الخبراء والمستشارين الفنيين، والجدير بالذكر أن إسرائيل قد استكملت مشروعها للتجسس في إفريقيا بوضع القمر «عاموس 1» فوق مدار القمر العربي «عرب سات 2» فوق أجواء كينيا, وهو ما يساعد إسرائيل على التجسس على الاتصالات العربية والإفريقية(20). لا شك أن هذا الوجود الإسرائيلي يمثل خطراً يتهدد القارة الإفريقية، ويعيق تطوّر علاقات دولها بالأمة العربية والإسلامية، وقد استطاع أن يتغلغل في الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهو ما يجعل نفوذه قوياً في التأثير في الدول الإفريقية, وتوجيه سياساتها إلى ما يخدم مصالح إسرائيل، ويحقق أهدافها الإستراتيجية, وذلك أمر يحتاج إلى مراجعات شاملة، وحسابات دقيقة، ويحتاج إلى دراسات عديدة، وأعمال كثيرة، يتوزع عبء الجهود فيها على الكيانات الإفريقية، والكيانات العربية والإسلامية, الرسمية وغير الرسمية منها، قبل أن تتحول إفريقيا إلى مستوطنة يهودية.

الوجود الإسرائيلي في إفريقيا دوافعه وأدواته.. (نظرة تاريخية)
28اكتوبر 2014 – 05:22

نجم الدين محمد عبدالله جابر(*)
علاقة إسرائيل بإفريقيا لم تبدأ بقيام دولة الكيان في عام 1948م، بل مع انعقاد أول مؤتمر صهيوني في أغسطس 1897م في بازل بسويسرا؛ حيث برزت في صدارة جدول أعماله خيار أوغندا ليكون وطناً قومياً لليهود بجانب الأرجنتين وفلسطين.

وقد تأكدت هذه الحقيقة في كتاب صدر في 1968م بعنوان: (الصهيونية في إفريقيا), كشف فيه مؤلّفه أن تشمبرلين وزير المستعمرات البريطانية قد شجّع ثيودور هيرتزل مؤسس الصهيونية على وضع مخطط لإنشاء وطن قومي لليهود في أوغندا, إلى أن قرّر المؤتمر الصهيوني السادس في بازل 1903م رفض مشروع أوغندا.

ومع انضمام إفريقيا إلى الأمم المتحدة صارت تشكّل كتلة صوتية لها وزنها في المحافل الدولية؛ لذلك سعت إسرائيل إلى كسب تأييد الدول الإفريقية, يقول: «أبا إيبان» وزير الخارجية الإسرائيلي السابق: «كانت إسرائيل في أمسّ الحاجة إلى إنشاء علاقات مع إفريقيا تضمن منح أصوات التأييد لإسرائيل في المحافل الدولية، ولم يكن يكفي أن تعتمد إسرائيل على الفيتو الأمريكي والبريطاني والفرنسي في مجلس الأمن الذي كان محتاجاً إلى أصوات عشرات الدول الأخرى لكي تحول دون تدهور مركزنا وعزلتنا في الجمعية العمومية للأمم المتحدة»(1).

دوافع الاهتمام الإسرائيلي إفريقيا:

على الرغم من حصول اليهود على فلسطين, وقيام الدولة الإسرائيلية فيها عام 1948م, فإن إفريقيا ظلّت في عقولهم, وذلك للأسباب والدوافع الآتية:

1 – تمثّل إفريقيا البداية التي من خلالها يستطيعون إقامة دولة إسرائيل الكبرى؛ وذلك لوجود منابع النيل فيها الذي يمثّل حلم إسرائيل.

2 – حاجة إسرائيل للاعتراف بها دولة من قبل الدول الإفريقية لكسب الشرعية السياسية والقانونية، وهذا ما قاله وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق «أبا إيبان».

3 – عزل الدول العربية وتطويقها؛ إذ ترى إسرائيل أنها قد طوّقتها بإيران وتركيا من جهة وإفريقيا من جهة أخرى.

4 – الحيلولة دون قيام تكتل (عربي – إفريقي) ضد إسرائيلي, وهذا ما أكده «شكومو أفنيري» مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية عام 1975م قائلاً: «إن الأهداف التي كنا نتوخاها من وراء توطيد العلاقات مع الدول الإفريقية هي كسب صداقة هذه الدول من أجل الخروج من العزلة السياسية, والحيلولة دون قيام معسكر إفريقي معاد يقف إلى جانب العرب في نضالهم السياسي ضد إسرائيل»(2).

وقد تبوأت القارة الإفريقية مكانة متقدمة في الإستراتيجية الإسرائيلية مقارنة ببقية القارات الأخرى؛ فأمريكا اللاتينية كانت في ذلك الوقت حكراً على النفوذ الأمريكي، وأوروبا كانت القارة التي قوّت الكيان الإسرائيلي عبر المساندة والدعم الذي قدّمه دولها الرئيسة لها, أما القارة الآسيوية؛ فقد كانت أشبه بالقارة المغلقة أمامها، لوجود دول وجماعات إسلامية كبيرة.

وعليه؛ فقد ظهرت إفريقيا بوصفها النموذج المناسب أمام صانع القرار الإسرائيلي, حيث مثّل مؤتمر باندونج في 1955م البداية الحقيقية للتحوّل الإسرائيلي نحو إفريقيا, فعملت إسرائيل بعد المؤتمر بمدة قصيرة على وضع استراتيجية شاملة وطويلة المدى للتغلغل في القارة الإفريقية.

ومن ثمّ؛ فالقارة الإفريقية مثلّت – وما زالت – أهمية بالغة بالنسبة للاستراتيجية الإسرائيلية، ويكفي هنا الإشارة إلى حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ديفيد بن غوريون في الكنيست الإسرائيلي عام 1960م لتتضح لنا تلك الأهمية، حيث قال: «الصداقة الإسرائيلية – الإفريقية تهدف في حدّها الأولي إلى تحييد إفريقيا عن الصراع العربي الإسرائيلي، كما تهدف في أحسن حالاتها إلى ضمان مساندة إفريقية للمواقف الإسرائيلية»(3).

وقد أسهمت كلٌّ من بريطانيا وفرنسا بدور كبير في تمهيد الطريق لهذا التغلغل الإسرائيلي في المستعمرات الإفريقية التي كانت تحت سيطرة كلٍّ منهما, حيث قامت بريطانية بجعل كل من تنجانيقا وسيراليون نقاط ارتكاز لإسرائيل في إفريقيا، وسمحت لها بإقامة قنصليات فخرية في هذه المستعمرات قبل استقلالها، وتحوّلت هذه القنصليات إلى سفارات إسرائيلية بعد استقلال هذه المستعمرات(4). أما فرنسا؛ فقد فتحت لإسرائيل حرية العمل في ميناء جيبوتي وميناء داكار في السنغال لدعم نشاطها، وسمحت لها بإقامة علاقة وثيقة مع مستعمراتها في غرب إفريقيا, كما حدث في ساحل العاج.

ومن جانب آخر؛ فقد عمل الاستعمار الغربي على تقديم دولة الكيان الصهيوني إلى الأفارقة بوصفها دولة تعاني التمييز العنصري، تماماً كالأفارقة الذي يعانون التمييز بسبب لونهم, في حين عمل على إعاقة النشاط العربي وشوّه صورة العرب بوصفهم أحفاداً لتجّار الرقيق في إفريقيا.

وقد عقدت دولة الكيان الإسرائيلي عدة اتفاقيات تمويلية وتجارية مع فرنسا بهدف تأمين حرية التجارة الإسرائيلية مع المستعمرات الفرنسية السابقة في غرب إفريقيا, كما قامت بعقد اتفاقيات مماثلة مع بريطانيا لتطبيقها على الدول الإفريقية التي كانت خاضعة للنفوذ البريطاني.

في ذلك قامت إسرائيل بالتركيز في دعم العلاقات مع جماعات إفريقية بعينها، وتتضح هذه الخصوصية في التعامل الإسرائيلي مع القارة الإفريقية, والتي تُعد من الثوابت السياسية الخارجية الإسرائيلية في إفريقيا, والتي تتجاوز التعامل المؤقت مع أنظمة الحكم الإفريقية – بافتراض عدم استقرارها – إلى التعامل المتغير وشبه الدائم مع جماعات بعينها، فتقوم بمساعدتها ومساندتها إذا كانت تشكّل قاعدة للسلطة القائمة دعماً للاستقرار السياسي وتوطيداً لأواصر العلاقات مع إسرائيل, أو تقوم بمساندتها إذا كانت خارج السلطة السياسية لإشاعة حال من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي في دولة معادية لإسرائيل، كما حدث في السودان؛ حيث طوّرت علاقات مع بعض الجماعات, مثل «الدينكا» في جنوب السودان, والتي يُقدّر عددها بنحو ثلاثة ملايين نسمة, لإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار في السودان لإجهاضه اقتصادياً وسياسياً, وزرع عقدة الكراهية بين العرب والأفارقة بصورة تعيق السودان عن أداء دوره العربي والإسلامي، وحتى الإفريقي بوصفه يشكّل نموذجاً للتعايش العربي الإفريقي المنشود.

وفي الوقت نفسه ظلّت إسرائيل على تعاملها الوثيق مع جماعة «الأمهرا» التي كانت حاكمة في إثيوبيا, سواء في ظل «هيلاسلاسي» أو «منجستو», دعماً لسيطرة هذه الجماعة على غيرها من الجماعات – معظم الجماعات الأخرى إسلامية -, وتعزيزاً للوجود الإسرائيلي في منطقة حوض النيل ومدخل البحر الأحمر، وقد استغلت إسرائيل في ذلك البعد الإيديولوجي لتقوية صلاتها بجماعة «الأمهرا»؛ «ذلك لأن هذه الجماعة لديها مزاعم بالانتماء للأسرة السليمانية, وقادتها يسمّون أنفسهم زعماء إسرائيل», ثم إن الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية قد ظلت تقوم بدورها في تعزيز مزاعم «الأمهرا»؛ حيث ركزت في دعمها على أن «شعب الأمهرا» هو شعب الله المختار.

وهذه مجرد نماذج لتعامل إسرائيل مع بعض الجماعات الإفريقية, تفتح المجال أمام تتبع المخطط الإسرائيلي في إفريقيا من حيث أوجه النشاط المتوقعة عنه, إلى جانب الأجهزة المنفذة له.

ويمكن القول بأن المخطط الصهيوني في القارة الإفريقية اعتمد على أربعة مداخل أساسية عند بدء تنفيذه, وهي:

أولاً: مرحلة المبادرة إلى الاعتراف باستقلال الدول الإفريقية.

ثانياً: إنشاء علاقات دبلوماسية كاملة مع هذه الدول.

ثالثاً: التقدّم بعروض لتقديم معونات مالية وفنية ومعها جيش من الخبراء.

رابعاً: عقد الاتفاقيات الاقتصادية والثقافية مع الأقطار الإفريقية.

ولكي نلقي الضوء الكاشف على تلك الأنشطة بكل أشكالها وأوجهها؛ فمن الضروري أن نقسم هذه الأنشطة على الأوجه الآتية:

أولاً: النشاط السياسي:

من خلال الحركة الصهيونية في فرنسا وبريطانيا وبلجيكا والدول الإفريقية الأخرى؛ استطاع زعماء الحركة، وبخاصة ناحوم جولدمان وسكرتيره يوسف جولان، وزعماء الوكالة اليهودية, إيجاد علاقات مع بعض النقابات الإفريقية التي نشأت وترعرعت في ظل الحكم الفرنسي البريطاني، وذلك من خلال المؤتمرات العمّالية على المستوى الدولي، مثل المؤتمرات التي كانت تعقدها النقابات العمالية, كما استطاعوا أن يقيموا علاقات خاصة مع شخصيات إفريقية وحركات سياسية نشأت في فرنسا وبريطانيا, مثل ليوبولد سنقور وفوليكس بوانيه وغيرهما(5).

وقد فرغ الكيان الصهيوني من بلورة مخططه للتغلغل السياسي في إفريقيا عبر عدة محاور, وهي:

الأول: إقامة علاقات وطيدة مع أحزاب وحركات سياسية في إفريقيا بدأت بالظهور: سواء قبل مرحلة الاستقلال أو بعدها، مثل حزب عمال إسرائيل (الماباي), مع بقية الأحزاب العمالية الصهيونية الأخرى التي مارست دوراً رئيساً في مدّ الجسور مع أحزاب إفريقية عن طريق الأحزاب الاشتراكية الغربية والمنظمة الدولية الاشتراكية، وبخاصة الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي ساهم في إقامة علاقات مع أحزاب في السنغال ومالي ودول أخرى ذات علاقة بالمنظمة الدولية الاشتراكية(6).

الثاني: المبادرة إلى الاعتراف بالدول الإفريقية حال حصولها على الاستقلال: حيث اتّبع الكيان الصهيوني وسيلة ذكية لكسب رضا الدول الإفريقية، وذلك بالمسارعة إلى الاعتراف بأية دولة إفريقية تحصل على استقلالها, وإرسال الوفود للتهنئة, ثم التقدّم بعروض للمساعدة، وكثيراً ما كانت هذه الوسيلة تعطي نتائج فورية، ومن أبرز هذه النتائج إقامة علاقات دبلوماسية وعلاقات قوية مع الحكّام الأفارقة، وكانت التجربة الغانية دليلاً واضحاً على نجاح هذا الأسلوب.

الثالث: إقامة علاقات مع الحكام الأفارقة: حيث كان الاتجاه الآخر الذي اتّبعه الإسرائيليون في سعيهم الحثيث لترسيخ وجودهم السياسي في القارة الإفريقية، ويتمثل في إقامة علاقات شخصية مع الحكّام الأفارقة, وكانوا يرمون من وراء ذلك إلى كسب ودّ هؤلاء الحكّام والتقرب إليهم للتأثير في مواقفهم.

وتمكّنوا من إقامة مثل هذه العلاقات مع العديد من الحكّام, ومنهم جومو كنياتا أول رئيس لكينيا، ووليام تويبمان الرئيس الليبيري الذي يُعد أول رئيس دولة إفريقية تعترف بإسرائيل, وكان يفتخر بعلاقته مع الكيان اليهودي، أيضاً جوزيف موبوتو رئيس زائير السابق الذي يُعرف بأنه أكثر أصدقاء إسرائيل وفاءً في إفريقيا؛ لأنهم ساعدوه في تولّي السلطة، كذلك هيلاسلاسي إمبراطور إثيوبيا الذي يرى نفسه أنه من سلالة اليهود(7).

الرابع: التمثيل الدبلوماسي: حرص الإسرائيليون على إنشاء أوسع شبكة من العلاقات الدبلوماسية مع نحو ثلاثين دولة أو أكثر، ولقد استفادت إسرائيل سياسياً من شبكة علاقاتها الدبلوماسية مع هذا العدد من الدول الإفريقية في كسب النفوذ وتحسين مركزها الدولي، وقد أسهمت عدة عوامل ومؤثرات خارجية وداخلية في إحراز هذا النجاح, ويمكن أن نوجزها في الآتي:

– تأثير القوى الاستعمارية في مواقف الدول الإفريقية حيال مبادرات الكيان الصهيوني لإقامة علاقات دبلوماسية معها، ومثال لذلك نجد أن الدول الناطقة بالفرنسية, والتي يبلغ عددها (13) دولة, اعترفت بالكيان الصهيوني في عام 1960م بتأثير من فرنسا، وكذلك أثّرت بريطانيا في الدول التي استعمرتها للاعتراف بإسرائيل وتوطيد علاقتها بها.

– سعي الكيان الصهيوني إلى تضليل الدول الإفريقية بشأن ظروف نشأته, حيث عمل على أن يربط بين هذه الظروف والظروف التي مرّت بها الأقطار الإفريقية؛ ليوجد بذلك نوعاً من التجاوب مع مبادراته ونشاطاته في القارة الإفريقية.

الخامس: العلاقات مع النقابات العمالية: سعت إسرائيل بهذه الخطوة إلى تعميق نشاطاتها المتعددة الجوانب، وتجسدت في إقامة علاقات مع النقابات العمالية والمنظمات المهنية الإفريقية، واعتمدت في تحقيق مآربها على نقابة العمال الصهاينة العامة (الهستدروت), وقد ساعد ذلك على:

– تطوير العلاقات مع الحركات العمالية الإفريقية, والتي كان نشوؤها قد سبق استقلال الدول الإفريقية, بتوسيع شبكات الاتصالات معها، وقد تمكّنت إسرائيل من استخدام هذه العلاقات للتغلغل في صفوف الكثير من الاتحادات والنقابات الإفريقية, وخصوصاً بعد أن تولّت (الهستدروت) مهمة تنظيم عدة اتحادات, ومنها اتحاد عمال كينيا, واتحاد عمال غانا، وإثيوبيا(8).

– تقديم المنح الدراسية للكوادر العمالية الإفريقية المتقدمة للدراسة والتدريب في إسرائيل، وإغراقهم بالمكافآت المالية, والمبالغة في تكريمهم تحقيقاً لمصلحة هذا الكيان(9).

السادس: الجالية اليهودية في إفريقيا: يوجد للكيان الإسرائيلي جاليات مؤثرة في إفريقيا، ولا يخفى أن استخدام إسرائيل ليهود إفريقيا يساهم في دعم النفوذ السياسي الإسرائيلي، والاعتماد المتبادل بين اليهود خارج إسرائيل، وهذه الفكرة ترتبط بتجميع يهود الشتات في إسرائيل.

وتعمل البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية في إفريقيا على تنظيم زيارات يهود إفريقيا إلى إسرائيل, واستقطاب المتطوعين من اليهود الذين أنهوا خدمتهم العسكرية، وهذا ينطبق على يهود جنوب إفريقيا, بالإضافة إلى جلب الأموال منهم لمصلحة إسرائيل.

وسعت إسرائيل إلى تنظيم دورات خاصة ليهود الشتات عن طريق مؤسسات عديدة, منها الوكالة اليهودية, ومنظمة المحاربين القدماء الإسرائيليين, لتكريس ارتباط اليهود بها، حيث قالت جولدا مائير رئيسة الوزراء السابقة: «إن على إسرائيل في مواجهتها للدول العربية، داخل حدودها وعلى المسرح الدولي، أن تبذل جهوداً فائقة لاكتشاف مسالك جديدة لتمكنها من اختراق الحصار المفروض عليها», ومن الطبيعي أن تكون المهام الأساسية للبعثات الإسرائيلية في إفريقيا العمل على تنمية الروابط بين إسرائيل واليهود هناك(10).

ثانياً: النشاط الاقتصادي:

تعد إسرائيل إفريقيا مجالاً حيوياً لتوسيع تجارتها، والملاحظ أنه بالرغم من ضآلة نسبة حجم التجارة الخارجية لإسرائيل مع الدول الإفريقية مقارنة بعلاقة إسرائيل بالأسواق الأوروبية والأمريكية؛ فإن الاهتمام المتزايد الذي تبذله إسرائيل لغزو الأسواق الإفريقية يُعد متسارعاً, حيث تطوّرت تجارة إسرائيل مع الدول الإفريقية وأخذت تميل لمصلحتها, فتضاعف حجم تجارتها مع دول القارة في الفترة من سنة 1957م إلى 1962م، ثم اطردت الزيادة حتى بلغت نحو 143,1 مليون دولار سنة 1975م(11).

واتبعت إسرائيل عدة استراتيجيات من أجل تفعيل نشاطها الاقتصادي هذا في القارة الإفريقية، ويتمثل ذلك في الآتي:

أ – مسح الأسواق الإفريقية: إعمالاً لمخططها لجأت سلطات الكيان الإسرائيلي إلى مسح الأسواق الإفريقية وإعداد دراسات عن أوضاعها وطاقتها الاستهلاكية, وقد أوفدت لهذا الغرض بعثات تجارية في مهمة دراسية ميدانية, وقد تمكنت هذه البعثات من إعداد دراسات عن كل بلد في القارة من حيث التركيب الاقتصادي وظروفه واحتياجات أسواقه من السلع، وكانت غانا هي أول دولة يتم إجراء دراسة فيها, ثم إثيوبيا وأوغندا وكينيا(12).

ب – عقد الاتفاقيات التجارية: حرص الكيان الصهيوني منذ بدء غزوه الاقتصادي للقارة الإفريقية في النصف الثاني من الخمسينيات على عقد اتفاقيات تجارية مع مختلف الدول الإفريقية، وانطلاقاً من هذا الحرص لجأت إسرائيل إلى فتح ملحقيات تجارية تتولى مهمة تطوير التجارة بين الكيان الصهيوني والأقطار الإفريقية، وكانت أول اتفاقية أبرمت مع غانا عام 1958م بهدف تحديد حجم التبادل التجاري, ووقّع الكيان الصهيوني اتفاقيات مع عدد من الدول الإفريقية الأخرى، مثل: إثيوبيا وأوغندا وإفريقيا الوسطى ومالي والكنغو(13).

ج – تقديم التسهيلات المالية: من الوسائل التي استخدمتها إسرائيل من أجل تطوير آفاق التجارة مع الأقطار الإفريقية تقديم التسهيلات المالية والقروض والائتمانات؛ وذلك لتمكين هذه الأقطار من استيراد السلع من الكيان الصهيوني, والتي تشكّل مواد أولية.

د – إقامة المعارض التجارية الثابتة والمتنقلة: استخدمت هذه المعارض من أجل الترويج للمنتجات الإسرائيلية والدعاية لها وكسب الزبائن والأسواق, كما عمدت إسرائيل إلى توجيه الدعوات للحكومات الإفريقية للاشتراك في المعارض التي تُنظّم في القارة الإفريقية، فقد اشتركت عام 1967م في معرض غانا الدولي, ونظّمت أكبر جناح في المعرض، ثم في زامبيا عام 1967م, ونيروبي وأديس أبابا 1968م(14).

سعت إسرائيل إلى إقامة شركات إفريقية إسرائيلية مشتركة للتغلغل بها محلياً في حقل التجارة والنقل والخدمات، مثل شركة الملاحة الغانية, والشركة الكنغولية الإسرائيلية, والعاجية الإسرائيلية, والشركات النيجيرية الإسرائيلية… إلخ, وقد تمكّنت إسرائيل بفضلها من تأمين خطوط مواصلات ثابتة لتجارتها مع دول إفريقيا الغربية, ومن الدخول في حقل الزراعة وتربية الدواجن، كما أن إسرائيل اتبعت وسائل أخرى عديدة للتغلب على أي صعوبة أو معوّق لتصريف منتجاتها في الأسواق الإفريقية.

وأهم الدول الإفريقية التي تتعامل معها إسرائيل تجارياً جمهورية جنوب إفريقيا وإثيوبيا وغانا وليبيريا وتنزانيا وأوغندا وكينيا وساحل العاج والجابون، ونجد أن أسواق إسرائيل تزدهر بصورة أساسية في ست دول, وهي جنوب إفريقيا وإثيوبيا ونيجيريا وغانا وكينيا وأوغندا, وهي تستوعب 75% من مجموع صادرات إسرائيل لمجموع القارة.

أيضاً تقدّم إسرائيل في إطار نشاطها الاقتصادي في القارة الإفريقية القروض، عبر اتفاقيات ثنائية أو عن طريق الموارد المالية، إلى البلدان الإفريقية التي تعتمد بدرجة أساسية على العون الأجنبي في اقتصادها، ويشكّل نقص رأس المال لديها ومتطلبات القروض والتمويل لمشروعاتها في القارة عقبة كبيرة تحدّ من سرعة انطلاقها.

ويعد الافتقار للتمويل المانع الرئيس الذي يحدّ بدرجة كبيرة من مدى تغلغل إسرائيل, ولكنها بالرغم من ذلك حاولت واستمرت في المحاولة للتغلب على هذا المعوّق بشتى الطرق, وذلك بتدبير مصادر تمويلية متعددة، وتلجأ في سبيل ذلك إلى الطرق والمصادر الآتية:

– تقوم بالاقتراض من البنوك الغربية الأمريكية والإنجليزية والألمانية بأسعار فائدة منخفضة، ثم تعيد إقراضها للدول الإفريقية بأسعار مرتفعة, بالإضافة إلى تقديمها في صور سلع وخدمات, فتكون الفائدة مزدوجة.

– تودع العقود التي تبرمها مع الدول الإفريقية لتنفيذ بعض المشروعات لدى البنوك الأجنبية، وتقترض بضمانها الأموال اللازمة لتنفيذ مشروعاتها(15).

ثالثاً: النشاط العسكري:

يشغل الجانب العسكري أهمية خاصة بالنسبة للنشاط الإسرائيلي في إفريقيا, والحقيقة أن هذا الجانب ارتبط كغيره من جوانب النشاط الإسرائيلي وبشكل تام بالاستراتيجية الإسرائيلية التي استهدفت التغلغل في إفريقيا, والنفاذ إلى الأجهزة والمرافق الحساسة في الأقطار الإفريقية.

وانطلاقاً من هذه الاستراتيجية بذلت إسرائيل قصارى جهدها من أجل تكثيف نشاطها العسكري عن طريق إيفاد البعثات بأعداد كبيرة، بل إرسال وحدات كاملة إلى بعض الدول مثل زائير (الكنغو الديمقراطية حالياً)، وإنشاء مستوطنات على غرار مستوطنات (الناحال), والإشراف على تنظيم الوحدات العسكرية وشبه العسكرية وتدريبها, ثم استقدام الأفارقة للتدريب والدراسة في المعاهد العسكرية الإسرائيلية.

ولقد سار النشاط الإسرائيلي على الصعيد العسكري في ثلاثة خطوط متكاملة ومتوازنة, وهي:

1 – إرسال المستشارين من أجل تدريب الجيوش الإفريقية وتنظيم بعضها.

2 – تصدير الأسلحة المصنوعة في إسرائيل إلى الدول الإفريقية؛ بدءاً برشاش العوزي، ثم مدافع الهاون, وأسلحة التدريب, ثم طائرات حربية, وزوارق زيئيف وغيرها.

3 – تصدير تجارب الشباب الطلائعي المحارب (الناحال), وكتائب الفتوة (الجدناع), إلى الأقطار الإفريقية, ومحاولة «بيع» هذه التجربة إلى الدول الإفريقية، واستطاعت إسرائيل أن توفّر للأقطار الإفريقية خلال الفترة من 1958م إلى 1972م قرابة (1300) مستشار ومدرب من العسكريين والشرطة وكتائب الشباب الطلائعي المحارب (الناحال) لتثبت الامتداد العسكري لها في إفريقيا(16).

قامت إسرائيل أيضاً بتدريب عدد من الأفارقة لتنظيم الخدمة العسكرية في بلادهم، ففي عام 1976م قامت إسرائيل بإرسال عدد من الخبراء إلى تنزانيا لتدريس المبادئ الخاصة بقوات الشرطة، كما قامت بتدريب أعداد من الجنود المظليين من الكنغو كنشاسا, وعلى رأسهم موبوتو, كما قدّمت الخبراء العسكريين لتدريب الجيش الكنغولي، وقدّمت بعض الأسلحة الإسرائيلية الصنع للكنغو, وأنشأت مدرسة للمظلات هناك، وفي عام 1965م قامت إسرائيل بتزويد سيراليون بخبراء عسكريين وضباط من الجيش ليقوموا بتدريب جيش سيراليون, وكانت بعثة عسكرية من ضباط إسرائيل قد زارت سيراليون لإنشاء مدرسة عسكرية في فري تاون عاصمة سيراليون(17).

أيضاً تسعى إسرائيل إلى التغلغل في منطقة البحيرات العظمى والقرن الإفريقي؛ حيث تتبع سياسة الالتفاف حول دول حوض النيل ومحاولة زيادة نفوذها فيها بأنشطة عسكرية وأمنية مكثفة لتهديد الأمن القومي العربي للسودان ومصر، وذلك من خلال الحصول على تسهيلات عسكرية، وإقامة قواعد جوية وبحرية في أماكن استراتيجية، واستخدام الدول الإفريقية قاعدة للتجسس على الأقطار العربية.

كما سعت إسرائيل إلى تشكيل فرق عمل أمنية وعسكرية مع العديد من الدول الإفريقية, وذلك بهدف بناء نفوذ لإسرائيل داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية والسياسية في البلدان الإفريقية, ولا سيما الكنغو الديمقراطية, حيث تشير بعض التقارير إلى أن الكنغو الديمقراطية وقّعت عام 2002م نحو (12) اتفاقية للتعاون الشامل مع إسرائيل, منها اتفاقية سرية عسكرية أمنية تقوم بمقتضاها إسرائيل بتدريب الجيش الكنغولي وتسليحه والقوات الخاصة التابعة لها, والمشاركة في عملية إعداد بناء قوات الشرطة والأمن(18).

أيضاً أبرمت إسرائيل عدة اتفاقيات للتعاون الأمني والعسكري مع رواندا منذ عام 1998م, وساهمت في إعادة بناء قوات الجيش الرواندي وتسليحه وتدريبه، وبموجب هذه الاتفاقيات استضافت إسرائيل وبصورة سنوية العديد من ضباط أفرع الأسلحة في القوات الرواندية للتدريب في إسرائيل.

ومن الجدير بالذكر؛ أن تقرير المخابرات الفرنسية في عام 1996م أكد أن إسرائيل تتحمل الجانب الأكبر من تدهور الأوضاع في منطقة البحيرات العظمى, وأوضح التقرير أن إسرائيل قامت بتسليح جيشي رواندا وبورندي, واستطاعت أن تضع أقدامها في المنطقة, وقامت بعرض مساعدة لحكومتي البلدين في حماية المنشآت الاستراتيجية في العاصمتين (بوجمبورا) (كيجالي) ضد هجمات قبيلة الهوتو، ثم تطرق التقرير إلى أن إسرائيل قامت ببيع الأسلحة للمتمردين بأسعار زهيدة بناء على أوامر الموساد؛ لإشعال الأوضاع في المنطقة, وضمان استمرار حاجة حكومات دول المنطقة للمساعدات الإسرائيلية.

سعت إسرائيل أيضاً إلى دعم حركات التمرد بأنجولا في بداية الثمانينيات لمساعدة «حركة يونيتا» المتمردة بزعامة جوناس سافيمبي ضد القوات الشرعية في لواندا، وتم وضع برنامج سري لتسليح المتمردين وتدريبهم وتقديم الاستشارات العسكرية لهم, وقد كان ذلك مثل بوابة لإسرائيل للحصول على مناجم الألماس التي كانت تقع في المناطق التي تسيطر عليها «يونيتا».

وفي جنوب السودان أوفدت إسرائيل عدداً من الخبراء العسكريين, ومعظمهم من يهود «الفلاشا» الأحباش، وذلك للمساهمة في تطوير القدرات العسكرية لقوات الحركة الشعبية.

لا يقتصر الدور الإسرائيلي عند هذا الحد بل تقوم شركات الأمن الإسرائيلية بدور كبير في القارة الإفريقية, ويمكن تقسيم نشاطها إلى نوعين:

الأول: شركات المرتزقة:

ومن أبرز هذه الشركات شركة «ليف دان» وشركة «الشبح الفضي», حيث يخشى الرؤساء الأفارقة من جيوشهم الوطنية, ومن ثم يلجأ العديد منهم إلى تكوين ميليشيات قبلية لتأمين أنفسهم, حيث تتولى شركات المرتزقة الإسرائيلية تدريب هذه الميليشيات وتسليحها.

الثاني: الشركات التي تتولى تنفيذ المخططات الإسرائيلية في إفريقيا:

ومن أهم هذه الشركات «بول باريل» وشركة «أباك»، وهما شركتان فرنسيتان مملوكتان لعناصر يهودية, حيث تتبنى إسرائيل سياسة تهدف إلى إشعال الصراعات في القارة الإفريقية وتصعيدها، وذلك بهدف إسقاط الأنظمة التي تسعى إلى التقارب مع الدول العربية من جانب, وإحكام السيطرة الاقتصادية والسياسية على هذه الدول من جانب آخر(19).

أيضاً يتغلغل الخبراء الإسرائيليون في المجالات العسكرية والأمنية والاستخبارية داخل المؤسسات الوطنية، حيث تسعى إسرائيل إلى استغلال الدول الإفريقية للتجسس على مصر والسودان والصومال وجيبوتي وشمال إفريقيا، حيث توجد مكاتب للموساد الإسرائيلي في العديد من الدول الإفريقية, في أوغندا وإريتريا وإثيوبيا والكنغو وكينيا ورواندا, وفق اتفاقيات مبرمة بين الجانبين، هذا فضلاً عن الوجود الاستخباري غير المباشر من خلال الخبراء والمستشارين الفنيين، والجدير بالذكر أن إسرائيل قد استكملت مشروعها للتجسس في إفريقيا بوضع القمر «عاموس 1» فوق مدار القمر العربي «عرب سات 2» فوق أجواء كينيا, وهو ما يساعد إسرائيل على التجسس على الاتصالات العربية والإفريقية(20).

لا شك أن هذا الوجود الإسرائيلي يمثل خطراً يتهدد القارة الإفريقية، ويعيق تطوّر علاقات دولها بالأمة العربية والإسلامية، وقد استطاع أن يتغلغل في الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهو ما يجعل نفوذه قوياً في التأثير في الدول الإفريقية, وتوجيه سياساتها إلى ما يخدم مصالح إسرائيل، ويحقق أهدافها الإستراتيجية, وذلك أمر يحتاج إلى مراجعات شاملة، وحسابات دقيقة، ويحتاج إلى دراسات عديدة، وأعمال كثيرة، يتوزع عبء الجهود فيها على الكيانات الإفريقية، والكيانات العربية والإسلامية, الرسمية وغير الرسمية منها، قبل أن تتحول إفريقيا إلى مستوطنة يهودية.

http://www.qiraatafrican.com/view/?q=1832

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: